الحياة – 05/03/09//
شهد شهر شباط (فبراير) الفائت ازدحاما بالنشاطات التي كرست مسألتي الوحدة والتضامن العربيين. فخلال الاسبوعين الاخيرين من شباط نظمت المحطة الدولية لتلفزيون (بي. بي. سي) البريطاني بالتعاون مع برنامج "مناقشات الدوحة" مناظرة تلفزيونية حول واقع ومستقبل الوحدة العربية بعد احداث غزة. وخلال الاسبوع الاخير من شباط، نظم "مركز دراسات الوحدة العربية" ندوة بعنوان "ندوة من اجل الوحدة العربية: رؤية للمستقبل"، وفي الاسبوع نفسه، نظم "تيار المستقبل" اللبناني مؤتمرا بعنوان، "العروبة في القرن الواحد والعشرين". وتبع مناقشة الـ «بي بي سي» استفتاء بين الحضور حول مصير الوحدة العربية ومستقبلها فأجاب 77 في المئة من المستفتين انهم يعتقدون ان «العروبة ماتت ودفنت بعد احداث غزة».
على عكس اكثرية المستفتين في مناقشات الدوحة اجابت الاقلية منهم عن اعتقادها بأن العروبة لا تزال تشكل عنصرا مهما في السياسة العربية وبأنها يمكن ان تلعب دورا اكثر اهمية في المستقبل. هذا ما رجحه ايضا المساهمون والمساهمات في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية ومؤتمر «تيار المستقبل» سواء في بعض الاوراق التي قدمت اليهما او في المناقشات التي جرت داخلهما او على هامشهما. وقدم المتفائلون بمستقبل العروبة مبررات عدة لنظرتهم المتفائلة كان من اهمها ما يلي:
اولا، ان النظام الدولي يتجه نحو التحول الى عالم الكيانات الكبيرة. هذه الكيانات اثبتت انها الاكثر قدرة على فتح الطرق الى الاستقرار والتنمية والرخاء والى التحول الديموقراطي. المقارنة بين اثر الازمة العالمية على الكيانات الكبيرة واثرها على الدول الصغيرة تؤكد افضلية الاولى على الثانية. فالدول الاربع الكبرى الصاعدة: الصين، روسيا، الهند والبرازيل – التي تدعى «بريكس» – اثبتت قدرة كبيرة على احتواء مضاعفات الازمة. احد اهم العناصر التي ساعدتها على الافلات من قبضة الازمة العالمية هو التوسع المستمر في سوقها الداخلية مما يمكنها من التعويض عن خسارتها الاسواق الغربية وبخاصة الاميركية. بالمقابل، فإن دولة صغيرة مثل ايسلندا كادت ان تختفي، تحت وطأة الازمة المالية العالمية، من خريطة العالم.
لقد عبر احد زعماء ايسلندا عن واقع الدول الصغيرة في العالم الجديد اذ قال، «كنا سعداء في بيتنا الصغير، ولم نتردد في مساعدة الآخرين عندما احتاجوا الينا، ولكن عندما طرقت المأساة بابنا وجدنا انفسنا في العراء، لا احد يلتفت الينا، ولا احد يهتم بأمرنا». هذا الواقع يدفع زعماء الدول الصغيرة والمتوسطة الى حث الخطى على طريق تكوين تكتلات اقليمية او على طريق تطوير وتعميق ما هو قائم منها. ففي مؤتمرها الاخير، قررت دول رابطة جنوب شرقي آسيا «آسيان»، في القمة الاخيرة التي عقدتها في تايلاند الاسراع في اقامة اتحاد آسيوي خلال السنوات المقبلة.
ثانيا، ان النظام الدولي قائم على الاعتراف بالكيانات القومية وبالكيانات الاقليمية وبالمقومات التي تتأسس عليها ومن اهمها المكون الثقافي – اللغوي. هذه النزعة، مهما كان الرأي فيها، لم تضعف ولم تتراجع. بالعكس، نجد ان العولمة وبخاصة الفهم الاميركي – البوشي لها، ادى الى شحذ النزعة القومية في مجتمعات كثيرة مثل الصين وروسيا والى نمو الاهتمام بالانتماءات الاقليمية مثل «الاوراسية» في آسيا الوسطى، و «البوليفارية» في اميركا اللاتينية. فضلا عن ذلك فإن الازمة المالية العالمية ادت الى بروز اهمية القومية الاقتصادية كمؤثر كبير على العلاقات الدولية.
ثالثا، ان الدول العربية لا تواجه تحديات دولية وعربية فحسب، ولكنها تواجه تحديات اقليمية من خارج المنطقة العربية. التحدي الاقليمي الاكبر متمثل باسرائيل. الذين كانوا يعتقدون ان اسرائيل قد اتجهت الى دولة ما بعد الصهيونية وان الاسرائيليين اكتفوا بحدود الكيان العبري وانهم لا يملكون تطلعات خارجه بحاجة الى التدقيق في هذا الاعتقاد. المدى الحيوي لاسرائيل يمتد، كما قال آرييل شارون من افريقيا الوسطى جنوبا الى حدود الاتحاد السوفياتي السابق شمالا، ومن البحر المتوسط غربا الى باكستان وما بعد شرقا. التحدي الاسرائيلي معاد للعرب وليس من السهل الوصول الى سلام معه. ولكن هناك تحديات اقليمية صادرة عن دول تربطها بالدول العربية علاقات تاريخية وثقافية عميقة هي تحديدا ايران وتركيا.
هذه التحديات ناشئة عن صعود البلدين في عالم القوة والقدرة الاقتصادية والعسكرية والسياسية. هذا الصعود مبرر وشرعي وهو قد يكون سندا للعرب ورصيدا لهم في عالم توازن القوى شرط ان يحسن العرب الاختيار وان يكون لديهم مشروع لصوغ العلاقات مع جيرانهم. هذا المنحى يحتم ويرجح الحاجة الى التفاهم والتضامن بين الدول العربية على استمرار الوضع الراهن. التحدي الاسرائيلي يختلف اختلافا جذريا عن التحديين الاخيرين. الاسرائيليون – بخاصة تلامذة جابوتنسكي الذين يحكمون اسرائيل اليوم – اختاروا طريق القوة للتعامل مع العرب، والعرب لا يملكون الا ان يردوا على هذا الخيار بمثله. هذا ايضا في رأي الكثيرين من الذين شاركوا في لقاءات الاسبوعين الفائتين من العناصر المهمة التي ترجح انفتاح الطريق امام دعوات التعاون والتضامن والتكامل بين الدول العربية. ولقد تذكر البعض هنا ان مجيء نتانياهو الى الحكم في منتصف التسعينات دفع قادة مصر والسعودية وسورية الى تناسي التباينات بينهم والى عقد قمة الاسكندرية التي اخرجت القمة العربية من سبات استمر لمدة سنوات. ومن الارجح ان يؤدي صعود نتانياهو مرة اخرى الى فتح كوة في جدار التشظي العربي.
رابعا، ان المنطقة العربية كانت تنقسم الى فريقين: واحد يعتنق افكار الوحدة او التضامن والتعاون بين دول المنطقة، وفريق آخر يؤيد الوضع الراهن «ستاتي كو»- ويرغب في الحفاظ على ما يدعى احيانا «النظام الوستفالي العربي» – نسبة الى نظام وستفاليا الاوروبي -، اي النظام الذي يشدد على السيادة الوطنية للدول ولا يقبل بأي مشروع عربي وحدوي او تضامني يضطره الى التنازل عن قسط كبير او صغير من هذه السيادة الوطنية. وكان الفريق الثاني يعتمد الى حد بعيد على دعم القوى الكبرى للاوضاع الراهنة في المنطقة وللوستفالية العربية. بيد ان التطورات الدولية اثبتت ان هذه الدول ليست حريصة على الاوضاع الراهنة العربية، وانها تريد من الدول العربية التنازل عن قسم كبير من سيادتها ولكن امام مشاريع للاندماج الاقليمي تقودها قاطرات مثلثة اميركية – اوروبية – اسرائيلية.
في ظل هذا المتغير الدولي ضاق الخيار على «الوستفاليين العرب». اصبح عليهم الاختيار بين مشاريع غربية مصدرة الى المنطقة من الخارج ومصنعة بحسب مواصفات ومصالح القوى الرئيسية التي انتجتها، وبين مشاريع عربية يساهمون هم في صنعها وفي بلورتها وفي الاضطلاع بدور القاطرة فيها. البعض من هؤلاء الوستفاليين العرب قد يفضل، رغم كل شيء، الانضمام الى المشاريع الغربية، بالمقابل هناك انطباع بأن عددا وازنا منهم سوف يفضل مشاريع عربية تمكنه من الحفاظ على مصداقيته وفي الوقت نفسه على حيز مهم من «السيادة الوطنية» في وجه فاعلين دوليين واقليميين.
خامسا، ان مشاريع الوحدة والتضامن والتكامل لم تحقق اي انجاز باهر يمكن ان يستأثر بالتأييد الشعبي. الوحديون العرب لم يستطيعوا ان يقدموا حتى قصص نجاح تستولي على الافئدة وتملأ المخيلة، بخاصة مخيلة الاجيال الصاعدة من الشباب العرب. لقد حقق حملة هذه المشاريع نجاحات ملموسة على صعيد تحرير البلاد من الاستعمار والانتداب والسيطرة الاجنبية، ولكن صورة هذه النجاحات زالت تقريبا بعد هزيمة عام 1967. هذا صحيح ولم ينكره احد من الذين ساهموا في النشاطات المشار اليها اعلاه. ولكن ماذا عن الدول العربية القائمة؟ هل حققت هذه الدول انجازا يستحق التنويه؟ هل خطت خطوات جادة على طريق التنمية؟ هل تمكن مقارنتها بالنمور الآسيوية او بالاقتصادات البازغة في جنوب شرقي آسيا واميركا اللاتينية واوروبا؟ هل حمت الاستقرار الامني والسيادة الوطنية من العدوان؟ ان سجل هذه الدول يدعو، على الاقل، الى ضرورة مراجعة الاوضاع العربية مراجعة عميقة، وهذه المراجعة تفتح الباب امام هذه الدول ونخبها الحاكمة، كما قال كثيرون، لولوج مشاريع التكتل والتكامل الاقليمية العربية.
* كاتب لبناني




















