الحياة – 05/03/09//
تتعرض جهود المصالحة العربية التي لا تزال في مرحلة جس النبض وبلورة نقاط الاتفاق والسعي الى احتواء نقاط الاختلاف بحيث لا تغلب على كل ما عداها، الى ضغوط كبيرة من مصدرين، ولو غير متجانسين: ايران واسرائيل. الاولى عبر سلسلة من المواقف النظرية والعملية المتشددة المبنية على مبدأ انتزاع الادوار، والثانية عبر التغيير الانتخابي الذي اسلم القيادة ايضاً الى قوى متطرفة ليس السلام من اولوياتها.
فاللقاءات الثنائية والثلاثية التي يرتبها السعوديون مع سورية ومصر، تحاول بتمهل واثق ان تبني أساساً متيناً وواضحاً لإنجاح قمة الدوحة نهاية الشهر الحالي، وتحويلها الى قمة للتضامن العربي، من دون ان يتأثر هذا المبدأ بما قد يستجد من تطورات ميدانية، سواء ما تعلق منها بنظام عربي بعينه أو بوضع اقليمي قد ينحو الى التوتر هنا وهناك اذا فشلت المقاربات الدولية في حلحلته.
ومن الواضح ان الفشل في جعل «حرب غزة» منصة للقفز على دور مصر وباقي العرب في قضيتهم الاولى، والنجاح السياسي المدوي الذي حققته القاهرة في جمع 75 دولة في مؤتمر شرم الشيخ لإعادة اعمار القطاع، لم يدفعا ايران الى الانكفاء، بل جاء عقد «قمة بديلة» لغزة في طهران والهجوم الذي شنه المرشد الايراني علي خامنئي على الادارة الاميركية الجديدة التي أخذ عليها تراجعها عن التغيير الذي وعدت به واستمرار تعهدها أمن اسرائيل، مناسبة لإعادة رفع شعاري «ازالة اسرائيل من الوجود» و «المقاومة هي السبيل الوحيد لإنقاذ فلسطين» اللذين يعنيان الدعوة الى مغامرات عسكرية جديدة في المنطقة، فيما إعمار غزة لم يبدأ بعد وإعمار لبنان لم ينجز بعد، كما يعنيان ايضا وضع العراقيل في وجه المصالحة العربية التي لا يمكن ان تقوم وتدوم سوى على اساس استعادة القرار العربي في شؤون العرب وقضاياهم، من العراق الى لبنان وفلسطين.
وتندرج في اطار المسعى الايراني نفسه دعوات الرئيس الايراني أحمدي نجاد الملحة الى قيام محور أمني – اقتصادي جديد يشمل ايران وتركيا والعراق وسورية، على رغم التباين في نظرة طهران مع كل من بغداد وانقرة ودمشق، الى دورها الاقليمي.
ربما يعتقد البعض أن هذه المواقف جزء من المفاوضات التي لم تبدأ بعد مع ادارة اوباما، والتي تحاول طهران استباقها بإظهار أهمية الاوراق التي تمسك بها في الساحات الثلاث، لكن الاميركيين ليست لديهم اوهام كبيرة حول استعداد ايران للتخلي بسهولة عن «عناصر القوة» هذه، ولذا توقع اوباما ان أياماً صعبة لا تزال تنتظر الولايات المتحدة في العراق، فيما التوتر يزداد في لبنان مع بدء عمل المحكمة الدولية واقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي، ولا تزال «حماس» تعتبر نفسها «الممثل الشرعي الوحيد» للفلسطينيين.
اما اسرائيل التي قد تعين المتطرف ليبرمان وزيراً للخارجية في حكومة برئاسة المتطرف نتانياهو، فتضغط بدورها على المصالحة العربية، برفضها حل الدولتين الذي تقوم عليه المقاربة الدولية لملف السلام وتستند اليه المبادرة العربية في دعوتها الى انسحاب اسرائيلي من الاراضي المحتلة، فيما ترفع وتيرة الاستيطان وتهويد القدس.
ومع فكي الكماشة الضاغطين هذين، تصبح المصالحة العربية اكثر من ضرورة تفرضها ظروف موقتة.




















