ندوتا "مركز دراسات الوحدة العربية" و"تيار المستقبل"
هل هي مصادفة بحتة أن تنعقد في بيروت في الأسبوع نفسه تقريباً من 23 شباط حتى 28 من الشهر نفسه ندوتان عن العروبة من زاوية المراجعة النقدية لمسارها واستشراف مستقبلها في القرن الحادي والعشرين؟
لقد عقد "مركز دراسات الوحدة العربية" أول ندوة في الموضوع عنوانها "من أجل الوحدة العربية: رؤية للمستقبل" عرضت فيها ابحاث بالغة الأهمية قدمها – حسب تقاليد المركز العريقة – باحثون من المشرق والمغرب والخليج. وشاركت فيها نخبة عربية مرموقة من المفكرين والباحثين الذين ينتمون إلى أجيال متعددة، فمنهم المخضرمون، من أمثال كاتب المقال، الذين صاحبوا "مركز دراسات الوحدة العربية، منذ نشأته، وشاركوا بفاعلية في مؤتمراته الكبرى ومشاريعه الرائدة، إيماناً منهم أن مبادرة تأسيس المركز من الناحية القومية والمعرفية معاً كانت غير مسبوقة.
وقد صدقت توقعاتهم من المركز الذي أداره منذ نشأته أستاذ أكاديمي ومثقف قومي بارز هو الدكتور خير الدين حسيب، الذي استطاع بإدارة حازمة وحرص بالغ على الجودة العلمية، تأسيس مكتبة معرفية عربية متكاملة في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية والثقافية. وقدم للمجتمع العربي أجيالاً من الباحثين الشباب الذين أصبحوا اليوم أساتذة مرموقين.
غير أنه – بالإضافة إلى جيل الشيوخ من رموز الفكر القومي – شاركت مجموعة جديدة من الشباب الباحثين الذين قدموا اجتهادات فكرية مضيئة، تبشر بالأمل.
وبالإضافة إلى ندوة "مركز دراسات الوحدة العربية" نظم "تيار المستقبل" ندوة أخرى بعنوان "مستقبل العروبة: أي عروبة تصح في القرن الحادي والعشرين؟". وهذه الندوة كانت ندوة لبنانية أساساً شارك فيها عدد من المفكرين اللبنانيين بالإضافة إلى عدد من الباحثين العرب، كنت واحداً منهم.
ما الذي دفع إلى أن تنعقد – في الأسبوع نفسه تقريباً – ندوتان في الموضوع نفسه وإن كان ذلك من زوايا مختلفة إلى حد ما؟
الإجابة على ذلك بكل بساطة لأن العالم كله وليس المجتمع العربي فقط يعيش ما يمكن أن نطلق عليه عصر المراجعة!
وإن كانت مراجعة الأفكار والإيديولوجيات مسألة مستمرة لا تتوقف، إلا أن عصر المراجعة بمعناه الحقيقي بدأ مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتى، ونهاية الحرب الباردة، وسقوط النظام الثنائي القطب، وبروز النظام الأحادي القطب الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية.
وهكذا بدأت عملية مراجعة جادة في المعسكر الفكري الماركسي على مستوى العالم، بما في ذلك العالم العربي.
ومن أبرز محاولات الماركسيين الأميركيين في مجال المراجعة الإيديولوجية كتاب عالم الاجتماع آرنسون وعنوانه الدال "بعد الماركسية"! وقد قدم الرجل نقداً ذاتياً لنفسه باعتباره ماركسياً مخضرماً وعدد الأخطاء التي وقع فيها. وإن كان قد انتهى بذكاء إلى نتيجة لافتة للنظر حقاً حين قرر "أن الماركسية لم تنته وإنما انتهى مشروعها الراديكالي لتغيير العالم!".
ويقصد بذلك أن الماركسية باعتبارها منهجاً علمياً لتفسير الكون والمجتمع مازالت صالحة، ولكن يبقى على كاهل الماركسيين صياغة مشروع راديكالي جديد لتغيير العالم، أخذاً في الاعتبار التغيرات الكبرى التي لحقت ببنية المجتمع العالمي. وشرع هو نفسه في العمل، ولذلك نجد القسم الثاني من كتابه عنوانه "نحو مشروع راديكالي جديد!".
وامتدت موجة المراجعة إلى الماركسيين العرب، وربما كان أكثرها جسارة محاولة المفكر اللبناني المعروف كريم مروة في كتابه المهم "حوارات" الذي مارس فيه نقداً ذاتياً شجاعاً. بالإضافة إلى سلسلة أعداد متواصلة نشرتها مجلة "الطريق" اللبنانية.
ولم يفلت المعسكر الفكري الرأسمالي من قبضة المراجعة الإيديولوجية والتي بدأت قبل انهيار الاتحاد السوفياتي. من قبل مفكرين ذوي بصيرة تاريخية ممن أدركوا أن الرأسمالية بالرغم من نجاحاتها في تجديد نفسها في الستينات والسبعينات إلا أنها لأسباب شتى لا يمكنها أن تستمر إلى الأبد! ومن هؤلاء المفكر المعروف ليستر تورد الذي أخرج كتابا بعنوان "ما بعد الرأسمالية" وربما كان تورد وأقرانه من نقاد الرأسمالية التقطوا الخيط مبكراً من العالم الاقتصادي الشهير الأميركي النمسوي الأصل شومبيتر الذي ذكر في أحد كتبه المعروفة أن الرأسمالية تتضمن تناقضاً لا يمكن حله يتمثل في جماعية عملية الإنتاج وفردية الاستحواذ على الفائض!
بمعنى أن عملية الإنتاج التي يساهم فيها آلاف المهندسين والعمال والإداريين تنتهي أرباحها في النهاية في جيوب عدد من الرأسماليين هم ملاك الشركات والمؤسسات والمديرون.
ولعل ما يبرز صدق مقوله شومبيتر ما حدث بعد الأزمة المالية الأميركية الكبرى واضطرار الحكومة الأميركية إلى ضخ أكثر من 700 مليار دولار لإنقاذ البنوك والمؤسسات الكبرى من الانهيار. فقد تبين أن ملاك الشركات والمصارف ومديريها بعد استلام نصيبهم من هذا الدعم الهائل المناقض لكل الأفكار المقدسة في الرأسمالية صرفوا لأنفسهم – بعد الأزمة – مكافآت بلغت احد عشر ملياراً من الدولارات! ولم يجد الرئيس أوباما غير أن يعلق تعليقاً هزيلاً مفاده "هذا عمل لا أخلاقي!". مع أنه كان ينبغي تحويلهم إلى محاكم الجنايات لتبديدهم أموال دافعي الضرائب ومنحها لأنفسهم!
غير أن الأزمة المالية الكبرى ولنقل بتعبير أدق الأزمة الاقتصادية ستدفع بسرعة عملية مراجعة الرأسمالية كمذهب اقتصادي من زاوية المنطلقات النظرية والممارسات العملية معاً. ذلك أنه لم يعد أحد يستطيع أن يتبجح قائلاً إن حرية السوق مطلقة، والدولة ينبغي كف يدها عن التدخل في الاقتصاد!
في هذا السياق التاريخي، ونعني عملية المراجعة الإيديولوجية الكبرى كان طبيعياً أن تنشط مراكز الأبحاث لكي تقوم بمراجعة مفهوم العروبة ذاته، وتقوّم الممارسات العروبية في النصف القرن الماضي.
وقد حاولت في إطار مداخلاتي في الندوتين أن ألفت النظر إلى أهمية تحرير المفاهيم أولاً، وذلك لأن لدينا ثلاثة مفاهيم أساسية متداولة في الخطاب القومي المعاصر وهي العروبة والقومية العربية والوحدة العربية.
والعروبة في نظري تشير إلى مفهوم الشخصية القومية العربية National Character والتي يمكن تعريفها بأنها هي نسق السمات النفسية والاجتماعية لشعب ما أو لأمة ما، والتي تتصف بالثبات النسبي عبر الزمن.
وهذه الشخصية القومية تبلورت عبر الزمن نتيجة وحدة اللغة، ووحدة التراث، ووحدة النضال في العصر الحديث لاستخلاص العروبة من إسار الإمبراطورية العثمانية وعملية التتريك من ناحية، ووحدة النضال من أجل الاستقلال ومناهضة الاستعمار من ناحية أخرى.
أما القومية العربية فهي إيديولوجية سياسية حديثة تدعو لأهمية التوحيد العربي في كيان سياسي واحد أيا كان نمطه بحكم القسمات المشتركة.
وأخيراً الوحدة العربية هي الهدف السياسي الأساسي الذي تسعى القومية العربية إلى تحقيقه.
وليس هنا مقام تنبع المراحل المختلفة التي مر بها الخطاب القومي الحديث والمعاصر، وإن كنا نستطيع – على وجه الإجمال – تقسيمها إلى مرحلتين: مرحلة الخطاب القومي العربي التقليدي، ومرحلة الخطاب القومي العربي الوظيفي.
المدخل الأساسي للخطاب التقليدي سياسي، لا يركز على المصالح المتبادلة ولكنه يبدأ من الاعتبارات السياسية التي تفرض عملية الوحدة – كما أنه مارس نقداً عنيفاً للدول القطرية باعتبارها من صنع الاستعمار الذي وضع حدوداً مصطنعة لأنها كانت موحدة من ناحية، ولأن حكام الدول القطرية هم الذين يحاربون مشروع الوحدة.
والواقع أن الحكم الأول ليس سوى أسطورة سياسية ليس لها أي أساس تاريخي! ذلك أنه لم تكن هناك من قبل أمة عربية واحدة قام الاستعمار بتقسيمها!
كما أن النقد العنيف للدولة القطرية يتناسي أنها يطلق عليها – بحق – في المغرب العربي "الدولة الوطنية" والمقصود منها الدولة الوطنية التى استطاعت بنضالات زعمائها وجماهيرها استخلاص نفسها من براثن الاستعمار.
ومن ثم فالدولة القطرية لها شرعية سياسية مؤكدة، وليست- كما يقرر الخطاب القومي التقليدي- السبب في عدم تحقيق الوحدة!
وقد يكون السبب الحقيقي في مثالية الخطاب القومي العربي التقليدي الذي كان يحلم بأمة عربية واحدة تتوحد في كيان سياسي واحد كدولة واحدة بعد اندماج كل الدول القطرية فيها، ولها رئيس واحد وعلم واحد ونشيد قومي واحد!
لقد تجاهل هذا الخطاب القومي المثالي حقائق الجغرافيا واعتبارات التاريخ، ولذلك فشلت ممارساته في التطبيق وعلى رأسها مشروع الوحدة المصرية السورية.
ونتيجة لهذا الفشل، بدأت تظهر معالم خطاب قومي عربي وظيفي مدخله اقتصادي وليس سياسياً. وهو يركز أولاً على اعتبارات المصلحة، بحيث إن قدمنا مشروعاً توحيدياً اقتصادياً للدول القطرية لا يمس كيانها السياسي، ولا يهدد شرعيتها، وإنما يحقق مصالحها الاقتصادية فإن هذا المشروع قد يجد طريقه إلى النجاح.
وقد تبلور هذا المشروع في القمة الاقتصادية التي انعقدت في عمان 1980والتي أعد بحوثها واستراتيجياتها الاقتصادية نخبة من أفضل العقول العربية. واستقر الرأي على تخصيص موازنة ضخمة للتنفيذ، غير أن الإرادة السياسية لم تتوافر للأسف لتحقيقه.
غير أن المشروع قد تم إحياؤه أخيراً في القمة الاقتصادية التي انعقدت في الكويت اخيراً. والسؤال هل ينجح العرب أخيراً في تحقيق التكامل الاقتصادي، والذي قد يكون المقدمة الضرورية لاتحاد فيديرالى عربي؟
سؤال مشروع، لا يمكن الإجابة عليه الآن، لأننا نحتاج إلى أجل متوسط للحكم على النجاح والفشل في تنفيذ قرارات قمة الكويت.
كانت تلك وأمثالها هي المشكلات التي أثيرت في بيروت، والتى انتهت إلى نتائج مهمة تستحق التأمل. فقد كان هناك إجماع على تأسيس دولة القانون الغائبة، وتطبيق الديموقراطية واحترام التعددية، ومراعاة حقوق الإنسان.
غير أنه أهم من ذلك كله كان هناك توجه إلى المستقبل وذلك بالتركيز على فئة الشباب العربي من حيث تقوية ذاكرتهم التاريخية بتاريخ العروبة باستخدام وسائط الاتصال الحديثة، بالإضافة إلى العمل على زيادة مشاركتهم السياسية ليس فقط بالانضمام إلى الأحزاب السياسية، أو إلى منظمات المجتمع المدني، ولكن بمساهمتهم أيضاً في عملية صنع القرار التي تحتكرها – للأسف الشديد – النخب السياسية العربية الحاكمة في عالم جديد يرفض الاحتكار- ويدعو إلى التعاون المشترك من أجل تقدم المجتمعات الإنسانية.
– بيروت
(باحث مصري)
"النهار"




















