زهير قصيباتي
القمة السعودية – المصرية – السورية – الكويتية في الرياض أمس، بعد القمة السعودية – السورية، جاءتا لتفعيل المبادرة السعودية للمصالحة العربية. والمحادثات بين القادة العرب في الرياض تنطلق من التأسيس لإنجاح القمة الشاملة في الدوحة آخر الشهر، لنقل المنطقة الى مرحلة تحريرها من أسر الخلافات العربية التي استحكمت ردحاً طويلاً، إذا قيست بتداعياتها العاصفة، فيما قوى إقليمية «تتوسط» بين العرب تارة، أو تؤجج شرارات الغضب العابر ليتحول الى سياسة رد الفعل، ولتصبح مصالحهم في مهب الشكوك، والخوف من الصفقات المفروضة من الخارج.
بعد الحرب البربرية على الفلسطينيين في غزة، قفز السودان سريعاً الى رأس الملفات الضاغطة. ورغم الفوارق الكبيرة بين ظروف العراق ومرحلة غزوه، وبين السودان المتخبط بأزماته مع نفسه – مع المعارضة في الشمال والمعارضة في الجنوب – المحاصر بوطأة التدخل الدولي (لا بالمعنى العسكري) من بوابة دارفور… رغم الفوارق، فالرئيس عمر حسن البشير الذي تلاحقه مذكرة المحكمة الجنائية الدولية لتوقيفه، بات ثاني زعيم عربي مستهدفاً بتدخل من الخارج، بعد صدام حسين.
وأياً تكن الالتباسات والادعاءات والوقائع المتناثرة على أرض دارفور، يدرك جميع القادة العرب ان ليس من شأن جعل رأس البشير مطلوباً، سوى إعطاء شحنة قوية لتنشيط التطرف في المنطقة… فيما طريق العراق لا يزال طويلاً للتخلص من شبح التقسيم. وكل ذلك بالطبع، بصرف النظر عما ارتكب من أخطاء جسيمة في حكم السودان، في حق المعارضة وإقليم دارفور.
السودان بعد غزة ولبنان والعراق، فيما الخليج لا يزال يتعايش مع القلق الكبير من ثمن الملف الإيراني، سواء كانت صحيحة أم مبالغاً فيها تلك التقديرات المتعلقة بدنو امتلاك طهران القنبلة النووية. وبديهي ان ترؤس نتانياهو حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، كافِ لإشاعة خوف مضاعف من عدم استبعاد واشنطن مواجهة إسرائيلية – ايرانية، ولو «غازلت» إدارة الرئيس باراك أوباما طهران بقيثارة الحوار.
وإن كان العرب لا يملكون إلا تمني حل معضلة الملف النووي الإيراني بالديبلوماسية، فالحال ان أحداً لا يسقط احتمال السيناريو الإسرائيلي، الذي سيضع منطقة الخليج في مواجهة المجهول.
لكن العامل الإيراني الآخر الذي يضغط بداهة على الجهود المبذولة لإنجاز المصالحات العربية – العربية، هو انقسام العرب على الأدوار الإقليمية لطهران، أو ما بات يسمى في مصر «خطف» إيران أوراقاً عربية «للمزايدة ومصادرة القرار». وحتى الآن، ما زال المصريون يتحدثون بمرارة عن هذا الدور الذي «يجد بين الأشقاء العرب من يقدم له مظلة لتمرير أهدافه، بدءاً بلبنان، مروراً بغزة وقضية الانقسام الفلسطيني، وانتهاء بالدفاع عن مصالح على حساب المنطقة».
قد يقال ان تلك الصورة تجاوزتها سكة المصالحات حتى قبل قمة الرياض أمس، لكن انتقاد الرئيس المصري حسني مبارك عشية القمة «مواقف تعكس مخططات معروفة تأتي من خارج منطقتنا»، تعبير واضح عن أسى في القاهرة إزاء ما تعتقد بأنه «مطاردة» لجهودها الديبلوماسية، في ملف المصالحة بين الفلسطينيين، بل حتى في المسألة السودانية. وتلك «مطاردة» غير عربية الهوية أساساً، إزاءها تتقاطع دعوة وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الى لغة مشتركة لمواجهة «التحدي الإيراني»، مع التوافق السعودي – المصري على ضرورة إزالة كل الخلافات العربية، لأن من شأن ذلك سد كل منافذ التدخلات الخارجية في القرار العربي.
وإذا أضيف الى توافق الرياض والقاهرة على تسهيل الانفتاح على دمشق، انضمام سورية الى قراءة مشتركة لمقتضيات الحد الأدنى من التضامن العربي، يجوز توقع مرحلة جديدة من محاصرة الخلافات تنبني على مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي كان حمّل جميع القادة العرب المسؤولية، وتستفيد من تفاؤل الرئيس بشار الأسد بأجواء المصالحة.
صحيح ان الرياض والقاهرة تتطلعان الى ما هو أبعد من «إدارة» الخلافات العربية، لكن الصحيح ايضاً ان اقتناع «حماس» بتسهيل قطار المصالحة بين الفلسطينيين، سيقنع مصر بأن سورية تبادر الى طمأنتها، عبر محاولة استعادة تعريب تحالفات الحركة. وزائر القاهرة يلمس إجماعاً على ان ما حصل في العراق من «تسلل» لقوى غير عربية تحت غبار الغزو الأميركي – البريطاني، لا يمكن مصر أن تسمح بتكراره على حدودها… في غزة، أو ان تتعايش معه.
وإذ تتبادل دمشق مع الرياض والقاهرة، إشارات إيجابية، المهم ان زيارة الرئيس السوري للرياض والتي تندرج ضمن مبادرة الملك عبدالله، ستنقل مشروع المصالحة الى اختبار جديد، طالما المطلوب خطوات، ساحاتها معروفة، لا مجرد قرارات أو بيانات… أو حتى عبور قمة الدوحة بهدوء.
للاختبار ذاته اختبارات، في الحكومة الفلسطينية بعد المصالحة، وفي انتخابات لبنان، ومع «التهديد» الإيراني.




















