وسام سعادة
يتعامل الكثيرون مع الحلول الديبلوماسية لنزاعات ومشكلات الشرق الأوسط كما لو كانت "حتمية تاريخية" وجدت في عهد الرئيس باراك أوباما فرصة ذهبية للتعبير عن نفسها، بعد أن كان تقرير بيكر هاملتون الصادر في نهاية العام 2006 قد بشّر بها وتحديداً في ما يتعلّق بتعديل أسلوب التعاطي مع سوريا وإيران.
يخوض كل واحد بعد ذلك في أولوية هذا المسار الديبلوماسيّ على ذاك، وما إذا كان من الممكن إبعاد ركن في "منظومة الممانعة" عن الآخر بالواسطة الديبلوماسية تمهيداً لكسب الركن الآخر، بالواسطة الديبلوماسية إيّاها.
وثمة من يدفعه التفاؤل لانتظار تضحية كواكب "منظومة الممانعة" بالأجرام الصغيرة التي تدور في فلكها، فيجري ترصّد مظاهر القلق التي لا بدّ أن تنتاب هذه الأجرام في مرحلة تروج فيها فكرة "الحتمية الديبلوماسية"، إلا أنّه قلق غير كافٍ لجعل هذه الأجرام تحيد عن المسار الذي أتبعته.
وفي ظلّ وضع كهذا، تلتقط "منظومة الممانعة" كل مفردة أو بادرة ديبلوماسية تجاه كوكب أو جرم فيها، كدليل لا على احتمال تهافتها أو تخلّعها، وإنّما على العياء الذي سبّبته لأخصامها الإقليميين والدوليين.
وفي ظلّ وضع كهذا، تنتشي اللغة الخشبية لـ"الحتمية الديبلوماسية"، سواء عند الأطراف "الممانعة" التي تجد أنّ هذه "الحتمية" تخدم لعبتها، أو عند الأطراف "المعتدلة" التي تجد أنّ هذه "الحتمية" يمكن أن تمهّد لتجاوز "الأسباب" التي تدفع إلى الممانعة.
لكنّه تفاؤل لا يسعفه سندٌ أو يغنيه دليل. هو في الوقت نفسه نذير شؤم. وإذا كانت "منظومة الممانعة" تتعامل بشكل جيّد مع هذا التفاؤل غير المسند والمؤطّر في شكل "حتمية ديبلوماسية"، فالأحرى بالأنظمة والتيارات المناهضة أو المتضرّرة أو المتخلية عن ذهنية الممانعة أن تتحرّس من شرك هكذا تفاؤل.
وفي هذا السياق بالتحديد، تأتي أهمية الشهادة التي قدّمها الأميرال دنيس بلير أمام لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الأميركي، والتي نقد فيها على مدى 49 صفحة من تقريره، كل العناصر التي ترتكز عليها "الحتمية الديبلوماسية" لحل قضايا الشرق الأوسط، وفي مقدّمتها مسألة المشروع النووي الإيراني التي تحوم الشبهات حول مناحيه غير المدنية أو السلمية.
والأميرال بلير الذي يشغل منصب المدير الوطنيّ للاستخبارات، هو في منصبه هذا كبير مستشاري الرئيس أوباما ومجلس الأمن القوميّ للشؤون الإستخباراتيّة، كما أنّه المشرف على 16 وكالة استخبارات مختلفة.
ومع أنّ التقرير حاول أن يتخفّف قدر الإمكان من المصطلحات أو المقولات الأيديولوجيّة، وأراد استيعاب سياسة "اليد الممدودة" التي تفاخر بها الإدارة الأميركية الحالية، إلا أنّه يمكن عنونته بالتقرير عن "حال صدام الحضارات في ظلّ الأزمة الاقتصادية العالمية"، مع اعتماد "صعوبة حلّ المسألة النووية الإيرانية بالطرق الديبلوماسية فقط" كعنوان تحتيّ.
فالأميرال بلير ينطلق من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية ليقول إن جسامتها تفرض أعباء إضافية على الأمن القوميّ للولايات المتحدة، وإنّ الضرر الاقتصاديّ اللاحق بالأسواق المالية، فضلاً عن الضرر الأيديولوجيّ اللاحق بمبدأ حرية التبادل واقتصاد السوق، يمكنه أن يمثّل "مع الوقت أكبر تهديد للولايات المتحدة" ويفرض تهديداً سياسياً للديموقراطيّات الليبراليّة، وتهديداً استراتيجياً للأمن القوميّ الأميركيّ.
وإذا كان الأميرال بلير يمتدح قيام إدارة أوباما بـ"توسيع مفهوم الأمن القوميّ" ومواءمته مع المنطلقات الحقوقية الأساسية ومع القانون الدوليّ، إلا أنّه يعترف بما حقّقته إدارة الرئيس بوش على صعيد حربها ضد الشبكات المسلّحة العابرة للقوميّات، وفي مقدّمتها تنظيم القاعدة.
لكن التقرير، وبعكس كل التفاؤل بـ"الحتمية الديبلوماسية" يعود ويؤكّد في ما عنى إيران، أنّ "إقناع" المسؤولين الإيرانيين بغض النظر عن انتاج الأسلحة النووية "صعب"، وأن إغراءهم بحوافز تشجيعية صعب أيضاً، كما أنّه وإذ يؤكّد أن إيران لم تصل إلى مرحلة إنتاج أسلحة نووية، فهو يتوقّع اجتماع كل العناصر الضرورية للدخول في هذه المرحلة أواخر هذا العام. والأميرال بلير لا يوصي طبعاً بـ"استباق" ذلك، وهو يبقى بذلك وفياً لفكرة "تأخير" المرحلة التي يمكن فيها لإيران انتاج سلاح نووي، إلا أنّ "التأخير" في عرفه لا يكون بالديبلوماسية فقط، وإنّما بما يقترحه من "كوكتيل" يجمع بين أشكال من الضغط وبين عقوبات وبين سياسات مراقبة وبين حوافز تشجيعيّة.
ويمكن أن يجد المرء في ما تقوم به الإدارة الأميركية تطبيقاً عملياً لسياسة "الكوكتيل" هذا، إلى حد يمكن فيه أن يُسأل الأميرال بلير ما إذا كان يقترح شكلاً آخر للديبلوماسية أم شيئاً آخر غير الديبلوماسية؟
فعلى أهمية تقريره، يحافظ الأميرال بلير على كثير من الالتباسات. هو يعتبر أن الانفراج الديبلوماسي مع إيران "صعب"، وأنّ مرور الزمن هو لصالح إيران في الموضوع النووي، كما أنّه لصالح القوى المعادية للرأسمالية والديموقراطية في موضوع الأزمة الاقتصادية العالمية، لكنه يكتفي ببدائل "انتقائية"، تشكّك في كامل المسار المتبع منذ "تقرير بيكر هاملتون" لكنّها لا تخرج عنه بالكامل.
فالأميرال بلير يعلم جيّداً أنّه لا يمكن أن يوصي بالحرب لوحده، لكنّه لا يكفي أن تروج مظاهر "الحتمية الديبلوماسية" في هذه المرحلة بالتحديد كي تكون الأمور ذاهبة فعلاً إلى حيث الحل السلميّ للمسألة النووية الإيرانيّة.
التقرير الذي قدّمه يستحق أن يُدرس بعناية. مختصره أن الحل الديبلوماسي غير كافٍ، لا بل صعب، لا بل مستحيل. أما الحل العسكريّ فغير متوفّر، لضعف "الهمّة" بعد أن استنزفت عقيدة "الحروب الاستباقية" نفسها سريعاً ولم تتمتّع بالترسانة الأيديولوجية الكافية، أو بالإنجازات المشهدية الضرورية، أو بشرائح اجتماعية صلبة تتبناها في أميركا والمجتمعات الغربية الأخرى.. وبعد كل ذلك أتت الأزمة الاقتصادية العالمية.
إلا أنّه في شهادة الأميرال بلير إسهام أوليّ في الخروج من هذه الدائرة المفرغة. هو يذكّر بالبداهة الأولى: الوقت يداهم أميركا سواء على صعيد التبعات الأمنية للأزمة الاقتصادية العالمية أم على صعيد الملف الإيرانيّ.
وكأنّ الأميرال يذكّر بطريقة أو بأخرى، بأنّه في ثلاثينيات القرن الماضي، وقع الغرب برمّته ضحية لـ"الحتمية الديبلوماسية" وصولاً إلى "ميونيخ 38" يوم بدأ العدّ العكسيّ للكارثة.




















