عودة التفجيرات الدموية، إلى العراق؛ تثير مخاوف وتساؤلات جدّية. حصولها بصورة متلاحقة وبهذه القوة القاتلة، بدا وكأنه يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. وفي ذلك صدمة. خاصة وان الوضع الأمني كان شهد نقلة نوعية ملموسة.
التحسن الذي طرأ، منذ أشهر، ساد معه اعتقاد بان مرحلة العنف، باتت في طريقها للتلاشي؛ وأن البلد دخل طريق السلم الأهلي المعافى. فجأة، تعود الهجمات المدوية؛ ويعود معها سقوط الضحايا بالعشرات. وكأن في الأمر أكثر من رسالة وإنذار.
التفجيرات الأخيرة، تؤشر بتوقيتها وتواترها واستهدافاتها؛ إلى أكثر من خطر ودرس. على رأسها أن الوضع الأمني لا يزال على درجة مقلقة من الهشاشة، بالرغم من كل ما قيل بخلاف ذلك. اما أن العنف كان نائما، طوال فترة الهدوء الملحوظ، وإما أنه أعاد تجميع قواه من جديد، ليستأنف جولاته الدموية؛ مع كل ما تهدّد به من تجديد لانفلات العصبيات المختلفة. وفي الحالتين يرجع الهاجس الأمني، إلى واجهة هموم الساحة.
تعمّد تفجير أحد مراكز الشرطة هو، برمزيته، تكثيف لهذا الهاجس. والأخطر، توقيت العمليات. العودة إليها بالتزامن مع تزايد الاستعدادات لانسحاب القوات الأميركية من المدن العراقية ـ بعد أقل من ثلاثة أشهر ـ ، لا يبدو صدفة. خاصة وأن الصراعات السياسية الداخلية، بدأت تحتدم.
والملفت أكثر أن العملية الأخيرة، كما واحدة من قبلها، استهدفت أحد لقاءات المصالحة. وكأن الرسالة المراد إبلاغها، أن يد العنف عازمة وقادرة على تخريب أية محاولة من هذا النوع.
الواقع أن مثل هذه الرسائل، وجدت طريقها إلى التنفيذ؛ لأن المصالحة الوطنية الشاملة، بقيت غائبة. تعذر تحقيقها لأن شروطها السياسية، ظلّت معلقة. وضعت في سلّة الترحيل والتأجيل. التعديلات الدستورية الموعودة، لم تبصر النور.
المناطق المتنازع حولها، أيضاً جرى تركها لعامل الزمن. وحدها قاعدة المحاصصة، استمر العمل بها؛ على حالها. وكان من الطبيعي أن تتأزم العلاقات، في ظل مثل هذه التركيبة؛ خاصة عشية تسلم السلطات العراقية كافة المسؤوليات المحلية. المصالحات متعثرة. وفي أحسن أحوالها محدودة ومصطدمة بالشروط والشروط المضادة.
من هذه الفجوة، دخل العنف الأعمى مجدداً ليحصد ضحاياه بالجملة ويهدّد بإعادة دفع البلد إلى متاهات الأمن ومناخاته. التجربة العراقية تنطق بحقائق ودروس كثيرة. أبرزها أن قطع دابر الانفلات الأمني؛ مرهون بسدّ الفجوات في الجدار السياسي الوطني.
شرط لا بديل عنه. مدخله التوافق حول مشروع وطني قابل للحياة والتطوير. والآن تزداد أكثر وأكثر أهميته والحاجة إليه. في غيابه، يبقى انتقال الصلاحيات إلى أية حكومة عراقية، مجازفة ملغومة.




















