2666 لروبرتو بالانيو
تحت اسم "2666" يقدّم لنا الكاتب التشيليّ روبرتو بولانيو "آلةً أدبية" مذهلة في 1016 صفحة. فعندما أدرك مرضه، تقدّم الكاتب قبل دخوله المستشفى في برشلونه بقليل، إلى ناشره بمخطوط هذه "الرواية الشاسعة" التي يقرّ أحياناً أنّه "يشعر فيها بالضياع". ثمّ توفي في الخمسين من عمره بسبب عدم توفّر كبدٍ يزرع له.
كتابٌ محيّر، بالطبع وفق النمط الذي اعتمده بولانيو في كتابه "العاهرات القاتلات" (كريستيان بورجوا، 2003) بحيث "لا يمكن للقراءة أن تنتهي حتّى لو اختتمت الكتب، كما أنّنا لا يمكن أن نتوقف عن الحياة ولو أنّ الموت أمرٌ مؤكد". فـ"2666" يحمل معه عالماً حزيناً وكابوسياً، هاجسه مكان، هو سانتا تيريزا في شمال المكسيك، حيث يفترض أن الكاتب الألماني الغامض بينو فون ارشيمبولدي قد عاش. في تلك المدينة، يُصار بانتظام إلى اكتشاف نساءٍ قتلنَ بوحشيّة وغالبيّتهن من العاملات في مصانع التجميع الضخمة، "الماكيلادوراس". لا يتوقّف السرد عن التكاثر في فورةٍ من الأنواع (البوليسي، دراسة التقاليد، الحكاية الخيالية، السرد التاريخي، الغرائبية…) والحقبات (الحرب العالمية الثانية، القرن الحادي والعشرين…) والأمكنة (ألمانيا، لندن، باريس، المكسيك…).
فمن الفصل الأول، حيث ينتقل رباعيّ من الجامعيين الأوروبيين إلى سانتا تيريزا على أمل العثور على أرشيمبولدي، الذي يعتبرنه "الموازي الحيّ لفرانز كافكا"، إلى الفصل الأخير حيث نجِد الكاتب طفلاً يترعرع في ألمانيا الهتلرية، يسلك بولانيو عدة مسارات واستدارات وغيرها من المصائد. كأن السرد يتغذّى من هذا الرجل وهذا المكان، وهما محور الكتاب المثير للدوار لتنتشر الحكايات وتنتفخ على الهامش، وجميعها تعود لتصطدم حتمياً بلغز أرشيمبولدي، وما وراءه مدينة سانتا تيريزا المشؤومة. فالمكان الذي تحتلّه هذه المدينة في الرواية يرتبط كليّاً بتشابهها الواضح مع مدينة سيوداد خواريس المكسيكية الحقيقية جداً.
فهناك، تمّ العثور على جثث أكثر من 370 امرأة، بين 1993 و2005، دون أن يتم اكتشاف ظروف غالبية هذه الجرائم بحسب منظمة العفو الدولية. لذا يكرّس بولانيو أطول فصول "2666" لهذه الإبادة للنساء. وقد قال الكاتب التشيليّ وهو يعمل على 2666: "لا أحد يعير اهتماماً لعمليات الاغتيال هذه، لكن فيها يكمن سرّ العالم". فهو يحوّل هذه الحادثة الحقيقية والدنيئة والتي حظيت باهتمام الأمم المتحدة لفترةٍ من الزمن، إلى مشهدٍ كابوسي تأسيسي، حيث تحاول الإنسانية التي سقطت أمام الوحشيّة على الأقلّ أن تحافظ على طبيعتها. وفي سعيه إلى الامساك بالمتناقضات وبالشرّ في شكله الأكثر جذريّة، ينجح بولانيو في أسر قارئه وإرغامه على الغوص في عالمٍ فوضوي ومتحرّك، يشبه ما عاشه الكاتب المنفي والمتأرجِح بين مسقط رأسه التشيلي والمكسيك حيث أمضى قسماً من مراهقته ليعود إلى التشيلي لوقتٍ قصير إبان انقلاب اوغوستو بينوشيه، فيغادره بعد عام إلى اسبانيا حيث أقام منذ نهاية السبعينات. وكان روبرتو بولانيو قد أعلن عام 1999: أنّ "الأدب نداءٌ خطيرٌ في أساسه"؛ ويبدو أنّه استجاب لهذا النداء بشجاعة وألمعية.
2666 لروبرتو بالانيو، منشورات كريستيان بورجوا، باريس 2008، 1016 صفحة، 30 يورو. 2666 de Roberto Bolaño (Christian Bourgois, Paris, 2008, 1016 pages, 30 euros)
"لوموندديبلوماتيك"




















