المستقبل
فلسفة التفتح أو الانفتاح، مصطلح غاب طويلاً عن أروقة الفكر في الوطن العربي. يعزى ذلك، بالدرجة الأولى، إلى تلك الفترة التي حكمت فيها الايديولوجيا بمضامينها المغلقة المنكمشة على ممارسة السلطة والتسلط في أوسع حدود الهيمنة على انسانية الانسان. ولا يستثنى من هذا الاطار ثقافات اخرى اوروبية واميركية وآسيوية بدت أسيرة مغلولة الايدي بدءاً من نهاية الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى تفكك الاتحاد السوفياتي بقامته الاسطورية الواهية.
والأرجح انه لم يكن بمقدور المفكرين في الوطن العربي ان يستطلعوا، على نحو مبكر، المغزى الانساني العميق لهذه الفلسفة، نظراً إلى خياراتهم السياسية والاجتماعية الضيقة اثناء ما كان يسمى الحرب الباردة بين الجبارين الاميركي والسوفياتي. كما لم يجدوا هامشاً من الطمأنينة الفكرية والسياسية لترجمة هذا الفكر إلى العربية في ظل التحديات الخانقة التي كانت سائدة في تلك الفترة المضطربة. ولا يقتصر الأمر على اوساط المثقفين العرب، بل تعدى ذلك إلى اوساط فكرية وفلسفية بريطانية وفرنسية واميركية، بدت غافلة عن طبيعة هذه الفلسفة المتقدمة في فهم العالم وموقع الانسان فيه وهو ينتقل من هاوية إلى اخرى، من مأساة إلى أخرى. الباحث الجزائري المرموق، لخضر مذبوح، يفتح هذا الملف المؤجل على مصراعيه في دراسته القيمة بعنوان: "فكرة التفتح في فلسفة كارل بوبر"، الصادرة حديثاً عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" و"مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم". والأغلب ان الكاتب اختار متعمداً هذا الفيلسوف النمسوي ليناقش من خلاله فلسفة التفتح لاعتبارات هامة، من بينها ان كارل بوبر كان سباقاً، إلى حد كبير، في اختراق بنية الفلسفة الأوروبية الحديثة وتفتيتها من الداخل على قاعدة انها لم تعد صالحة لإحلال السكينة في قلب الانسان المعاصر. كما لم تعد كافية، على الاطلاق، لمعالجة الفوضى الفلسفية والعقائدية التي تحيل الحياة ضرباً من التعثر الدائم في البحث عن الحقيقة.
اسطورة العلم
تنطوي فلسفة التفتح، وفقاً لمقاربات كارل بوبر، على نقد كان توجه به، منذ الخمسينات الماضية، إلى علماء عصره، محذراً اياهم من تحول العلم "اسطورة" من شأنها ان تكبل توق الانسان إلى الحقيقة، فتعطل امكاناته الابداعية، وتبلد حسه، وتجمد عقله. وهو يبرر هذه التصورات بالاعتقاد ان المعوقات الفكرية والاجتماعية والسياسية والسايكولوجية، لن تنشأ هذه المرة عن جهل الانسان، كما حدث في الماضي، بل ستؤدي بالضرورة إلى انزواء الانسان في زنزانة ضيقة من الأفكار والمفاهيم التي اصطلح على تسميتها "علمية موضوعية". وهو يخشى ان تتراكم هذه المفاهيم، بمحتواها الايديولوجي المغلق، على نحو يجعلها نهائية كاملة. فينتكس العقل ويسقط في فخ من الوثنية العلمية المعاصرة تشبه مثيلتها التي كانت سائدة في القرون الوسطى.
محاولة استباقية
شكلت هذه الافكار، بدءاً من اربعينات القرن الماضي، محاولة استباقية اولية، اذا جاز التعبير، لإزالة الأقنعة السميكة عن وجوه مختلف الايديولوجيات المتنازعة في تلك المرحلة المبكرة والأرجح انها لم تلق رواجا تستحقه في عالم بدا انه يسير بخطى مسرعة نحو استقطاب عقائدي بين الماركسية بشكلها السوفياتي الركيك، والرأسمالية بتصوراتها الضيقة والمترهلة. لم تكن النخب المثقفة في البلدان "الاشتراكية" ومثيلتها "الرأسمالية" مهيأة، على نحو موضوعي للالتفات إلى هذا النمط من الفكر الآخر. بدليل ان اعمال هذا الفيلسوف النمسوي الفذ لم تجرِ ترجمتها إلى الفرنسية، على سبيل المثال، الا منذ سنوات قليلة. وفي اي حال، بدا كارل بوبر مشدوداً بغريزته الفلسفية إلى منظومة من الافكار تحرر الفرد من موروثاته الايديولوجية القديمة والمعاصرة. ومع ذلك لم يتنكر، بالكامل، للتوجهات الفكرية، قديمها وجديدها، باعتبارها مخاضاً موضوعياً للحظات في تطور الوعي الانساني وان كان مشروطاً بظروف بدت آنية اكثر منها انسانية بالمعنى الشامل. قرأ بوبر نتاج الفيلسوف الالماني، فريدريك نيتشه، في العمق. وبالمثل قرأ هايدغر وكارل ماركس وفرويد وداروين، اضافة إلى ما تفرع عن هؤلاء من مفكرين وفلاسفة اعادوا صوغ افكار اساتذتهم في ضوء الواقع المستجد. ولربما افاد بشكل خاص من اولئك المفكرين والفلاسفة الذين سبقوه في نقد الايديولوجيات الشمولية من امثال المفكر الالماني الكبير، هايدغر، الذي اعتبر ان العقل اعجز من ان يتوصل إلى حقائق الامور وحده. ثمة، في هذا المجال، ما يلقي بإرثه الثقيل على الفكر البشري، مثل الخرافة، والأسطورة، وحتى المعتقدات البدائية المغرقة في التاريخ القديم. وهذه عوامل ومحفزات كامنة في البنية التحتية للذاكرة الانسانية قد تتحول في لحظة ما دفقا قوياً من الاحاسيس والمشاعر توقف العقل أو انها قد تحل مكانه. وبالمثل أفاد بوبر من تفكيكية فرويد السايكولوجية الذي اقام فلسفته على نظرية تفيد بأن العقل وسائر القيم والمفاهيم المنبثقة منه ليست الا الجزء الظاهر فقط من بنية اعمق واقدم في نفس الانسان هي العقل الباطن حيث مركز الغرائز المكبوتة في التاريخ الانساني للذاكرة البشرية. اعاد بوبر قراءة هؤلاء الفلاسفة الكبار من زاوية نقدية تحليلية من شأنها ان تعيد الكل إلى اجزائه الصغيرة.
بدا هذا التوجه التفكيكي التحليلي، في تلك الأثناء، ضرورة فلسفية من أجل ان يستكمل بوبر ادواته المعرفية في مجال ازالة الغموض عن الايديولوجيات المغلقة. واعتبر، في هذا السياق، انه بدلا من ان تكون الايديولوجيا سبيلا إلى الكشف عن الحقائق الصعبة في عالم متغير، اضحت فكراً مغلقاً على نفسه موظفاً من قبل السلطة السياسية. والنتيجة الأولية لهذا الفكر المختنق بذاته، ان الفرد راح يدفع الثمن من حريته، وامكاناته، وارتقائه في الممارسة الانسانية. على هذا الاساس، دعا بوبر إلى ضرورة النقد المستمر للافكار الجاهزة والايديولوجيات المتكدسة، لتحرير مستقبل الانسان ومستقبل العلم على حد سواء. كان حافزه إلى ذلك فكرة التفتح الفلسفي التي لن يقيض لها النجاح في هذه المهمة الضخمة الا بنقد الصورة المغلقة للكون القائمة على فكرة الحتمية العلمية او الميتافيزيقية او سواهما من التوجهات المماثلة.
المعرفة تخمينية
المعرفة، على هذا الأساس، تصبح "تطورية" مفتوحة، تخمينية، تكذيبية غير يقينية. والمجتمع التطوري، وفقاً لهذه الرؤية، يصبح منفتحاً يعتمد الاصلاح التدريجي او الهندسة الاجتماعية الجزئية، وليس التخطيط الكلي واليوتوبيا، وهذا التصور يقتضي ألا يقتصر دور الانسان على كونه وعاء فقط تصب فيه معطيات العالم الحسي على نحو من التلقي السلبي. ولذلك، فهو يفتقر، على الدوام، إلى اليقين الجازم بأنه على الطريق الصحيح، او انه بات يستحوذ على الحقيقة القصوى. خيب بوبر، بناء على هذه التصورات الراديكالية، إذا جاز التعبير، آمال كثيرين من مجايليه، وتحديداً اصحاب الأفكار الكبرى أو تلامذتهم او ممن عول عليهم في بناء عمارة فلسفية شاهقة تصلح لأن تقيم فيها الافكار الاكثر هيمنة في القرن العشرين، من بين هؤلاء الذين اصيبوا بخيبات مؤلمة، الهيغليون والماركسيون وأتباع الواقعية الجديدة، والفرويدية بحلتها اليسارية الجديدة، وكذلك الليبراليون بمختلف جحافلهم الأوروبية والاميركية. ومع ذلك، فان من احسوا بالمرارة الكبرى، هم دعاة الفكر النيتشوي وتلامذة الفيلسوف الالماني هايدغر، باعتبار ان هذين القطبين الهامين شكلا المعنى الرئيسي الذي نهل منه بوبر خطاب الحداثة وما بعد الحداثة بدوره، ادرك بوبر ان ليس في الأمر خيانة لفكر هؤلاء، على الاطلاق، لم ينكر ابداً انه درس عليهم وتتلمذ على افكارهم في البدايات، واستخدم ادواتهم المعرفية من اجل التوصل إلى صيغة افضل لفهم الانسان المعاصر وانقاذه من ازماته المزمنة، غير انه لم يقتنع بطروحاتهم الايديولوجية أو بالتأويلات التي اضيفت على نظرياتهم فأحالتها جماداً عقائدياً يزيد في غموض العالم ويجعل من الفكر الفلسفي المعاصر أحجيات تسيء إلى الدور المصيري الذي ينبغي ان تضطلع به الفلسفة في عالم تنهشه الفوضى مستكثرة على الانسان ايجاد مخرج له إلى حيث تطمئن نفسه وتدخل السكينة إلى قلبه.
بين التاريخ والسلطة
تقوم فلسفة التفتح التي شغلت بوبر في اعوامه الطويلة (توفي مطلع التسعينات الماضية) على الدعوى القوية إلى وجوب التخلي عن تلك الفكرة التي تروج بأن التاريخ هو مسار للسلطة السياسية فقط، او ان التاريخ غالبا ما يؤدي إلى تبرير السلطة السائدة بمعنى ان ثمة من يسعى إلى الترويج بأن هذه السلطة او تلك تمتلك وحدها مفاتيح الحقيقة، او انها مهيأة اكثر من غيرها لفرض شروطها على التاريخ الانساني بمحتواه الاجتماعي والسياسي. من هنا اصرار بوبر على ان المستقبل البشري مجال مفتوح لأنه يتغير وفقاً للشروط المتغيرة. وهذه من اهم ميزات الفرد المعاصر الذي كلما اعتقد انه بات على قاب قوسين او ادنى من معرفة الحقيقة، عاد وانقلب على هذا التصور. والأحرى، في هذا السياق، ان يفسح في المجال أمام الفكر العربي المعاصر ليتفتح بدوره على مقاربة حداثوية معاصرة تنطلق من العقل، ومن العلم والمعرفة الموضوعية لتطوير نمط افضل من الاقتراب من العالم ومن النفس الانسانية. شريطة ان يحصل ذلك خارج النطاق الايديولوجي والتبريري وشرنقة الفلسفات الشمولية. والأرجح ان الساحة الفكرية في الوطن العربي، وتحديداً في هذه المرحلة من انعدام الوزن، على الصعد الفكرية والسياسية والاقتصادية، اكثر ما تحتاج إلى هذا التوجه الفلسفي الذي لا يلغي هذه الفكرة او تلك، بل يعمد إلى الافادة العملية من الأدوات المنهجية التي توفرها له مختلف الايديولوجيات والفلسفات والتصورات. والأغلب ان ليس في هذه الدعوة ترجيحاً لفكر تسووي عاجز عن الابتكار واتخاذ القرار، بل محاولة للتفتح على الاسباب والمحفزات التي قد تغني الفكر العربي من الداخل أولاً. وهذه تفترض، بالضرورة، انساقاً من الحريات الاكاديمية، والممارسة الديموقراطية، واعلاء قيم الفرد على المفاهيم الجاهزة المتوارثة لما يسمى الجماعة. قد تبدو فلسفة التفتح مشروعاً عربياً حقيقياً لاعادة الاعتبار إلى نهضة أجلت طويلاً.
[ الكتاب: فكرة التفتح في فلسفة كارل بوبر
[ الكاتب: لخضر مذبوح
[ الناشر: بيروت، الدار العربية للعلوم، مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2009




















