لطالما اعتبرت النقابات أحد أهم مكتسبات الحركة العمالية في تاريخ الصراع الطبقي، لذا شكّلت منصة رئيسة جرى التزاحم لاعتلائها من قبل الأحزاب عموماً والأحزاب اليساريّة خصوصاً. لقد ظلت عصية على القهر، رغم التراجع الكبير منذ ثمانينات القرن الماضي بالتوازي مع صعود النيوليبرالية وتراجع الأفكار الرومانسية والإشتراكية التي شكلت قوة الدفع الرئيسية للحركة النقابية، إلاّ أنّ محاولات الإحتواء لم تتوقف، أمّا في الأنظمة الديكتاتورية وما أكثرها في عالمنا العربي فقد تحول الإحتواء إلى سيطرة وتطويع وربّما فبركة في كثير من الأحيان. وقد حصل شيء من هذا القبيل حتّى في لبنان في محاولة لتغيير نمطه الحر المتنوع. ألم يشكل الإتحاد العمالي العام، بعد أن فُبرك كثير من مكوّناته، واجهة لأحداث 7 أيار الكريهة؟
لقد كتب مفكرون كبار في الموضوع النقابي وأهمية التنظيم كغرامشي ولينين، كما أنّ الحركة النقابية توسعت لتطول شرائح جديدة غير عمّالية في المجتمع كالمهندسين والأطباء والمحامين، فضلاً عن الموظفين وقطاعات التعليم رغم التضييق على الموظفين في لبنان مثلاً وإطلاق صفة الروابط بدل النقابات، علماً أنّ هذه الروابط ولاعتبارات لبنانية بعضها للأسف سلبي (الحمايات السياسية والطائفية في القطاع العام) كانت الأكثر حراكاً بعد الطائف.
لقد شكلت السيطرة على النقابات معياراً في قوة بعض الأحزاب وفاعليتها، خصوصاً في البلدان المتقدمة وهذا ما حمل معه بعض الجوانب السلبية رغم الحيوية السياسية التي أكسبتها هذه السيطرة للمجتمع، وقد أدت الحركة الطالبية والعمالية في فرنسا في أيار 1968 إلى الإستفتاء ومن ثم تنحّي قائد المقاومة الفرنسية شارل ديغول رغم حصوله على أكثر من50 في المئة، فمعياره هو أن يحصي المواطنين الذين ما زالوا معه لا أن يعد الصواريخ التي يحملها على كتفهم، ذلك أنّ المجتمع المدني في فرنسا يصنع المجتمع السياسي لا العكس. وفي أيّار2008 شكل الإتحاد العمالي اللبناني واجهة لهجوم قائد "المقاومة" الإسلامية على المدينة التي أذاقت الإحتلال الإسرائيلي طعم الأمّرين والتي كانت شوارعها مسرحاً للحركات النقابية والطالبية والثقافية، وقد ألهمت العمال والطلاب وفئات واسعة من الشعوب العربية، فزهرة العواصم العربية، وبيروت أم الدنيا (دنيا الراحل درويش وما أجمل دنياه)، لم تكتسب شهرتها كحاضرة حديثة ومتقدمة في المنطقة فقط، قبل أن تدخل في نفق الحروب الأهلية و"الماورا أهلية"، مع فرادة وأهميّة بعض هذه الصفات التي أعطت لبنان لقب سويسرا الشرق (لسخرية القدر تتناسخ المقارنات لتعطي لبنان المحاصر في النفق، أفضلية في النظام المصرفي بعد أن اخترقت الأزمة المالية القلعة السويسرية، كما يتقدم الفريق اللبناني على الفريق السويسري في قرع جرس بورصة نيويورك، هكذا تفرش طاولة إفطار البورصة بالفول والمناقيش وترمى الأجبان السويسرية لفئران مانهاتن، أحجية جديدة في وطن الأرز!)، أليس في هذه المفارقات ما يدعو إلى التأمل والدراسة والإستنتاج؟ أم يظل البعض يستنسخ النظريّات والشعارات والمؤتمرات إيّاها، خصوصاً إذا توّهم أنّ أزمة الرأسمالية بطبعتها النيوليبرالية قد تفك حجز الإشتراكية بطبعة نيو روسية.
ومع التراجع الإجمالي في الحركة النقابية العمّالية تقدّمت مؤسسات أخرى لتعوّض بعضا من النقص ممّا أعاد الحيوية لحراك المجتمع. وتضم هذه المؤسسات منظّمات وجمعيات وهيئات غير حكومية وقد اكتسب بعضها في لبنان بعضاً من صدقية مع تقدمها في مجالات متنوعة تحت يافطة المجتمع المدني، وهي بالطبع تختلف عن المنظّمات الشبابية المسيّسة حتّى العظم والتي شكلت كما هو معروف ستاراً حزبيّا، علماً أنّ هذا لايقلل من شأن مّا قدّمته هذه المنظّمات، خصوصاً في لبنان حين تحوّلت إلى رديف أو ربّما دينامو العمل الطالبي الصاعد في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، كما كان دورها رائداً في الحركة الإستقلالية في أعقاب استشهاد الحريري، ولم تكن هذه الهيئات وقفاً يساريّا فقط، إذ اخترقت بنية الأحزاب اللبنانية جميعها ولعب بعضها أدواراً إستثنائية إلى جانب منظّمات اليسار كـ"حركة الوعي" على سبيل المثال. ومع ذلك تبقى هذه الهيئات جزءاً من المجتمع السياسي المباشر.
وقد وجد كثيرون في "العمل المدني" ومنهم من صفوف بعض النخب العلمانيّة ملاذاً طيّباً للعمل الديموقراطي، خصوصا في مجتمعات مأزومة كمجتمعاتنا. ثمّ ألم يتسلل كثير من اليساريين ممّن تفككت أحزابهم (ولو دون إعلان) وممّن سئموا العمل السياسي المباشر بعد أن تطيّف، إلى بعض هذه المؤسسات لمتابعة فعلهم التنموي والثقافي (وهي أعمال سياسية غير مباشرة ولطالما لجأت لها الأحزاب اليسارية ولكن معظمها كان للكسب الحزبي أو لتوسيع دائرة العلاقات)؟ ألم يساهم هذا التسلل في تصليب عود هذه المؤسسات وبالتالي في تعزيز صمود مجتمعنا اللبناني المعاني بشكل مضاعف من تداعيات الحروب الأهلية من جهة وانعكاسات الواقع الصهيوني والصراعات الإقليمية عموماً من جهة أخرى. كما لعب اليساريون دوراً أساسياً في أن لا تتأرجح هذه المنظّمات بين حالة حيادية ساذجة (إن لم نقل مفتعلة) بين المجرم والضحية من جهة أو حالة تبعية سافرة نتيجة الحاجة لمال "التنمية" من جهة أخرى.
إنّ استقلال هيئات المجتمع المدني لايعني انكفاء أعضائها، خصوصاً أصحاب السوابق اليسارية، عن الإنخراط في مهمّة الدفاع عن نمط البلد وتنوعه والذي لولا حريّاته، على نسبيتها والتباساتها، لما شهدت الهيئات الجدية الولادة أصلاً، وهذا لا يلغي بالطبع التعارضات والتناقضات والخلافات مع قادة أحزاب الحركة الإستقلالية وأداء وسطائها وكوادرها، خصوصاً في مجالات التنمية وبالأخص في المناطق التي تعاني حرماناً مزدوجاً، علماً أنّ بعضها يتحمّل عبئاً رئيسا في المواجهة الكيانية المندلعة فصولاً في لبنان وحوله.
وشمالاً شكلت بعض التجارب كتجربة لجنة المتابعة للبناء الجامعي الموحذّ في المون ميشال مثالاً بارزاً على قدرة المجتمع المدني عموماً والشمالي خصوصاً (إذا ما أحسن إدارتها) في قَطْر جميع الأطياف السياسية حول قضية تنموية موحدة (بكسر الحاء) رغم عناصر التفكك المتزايد كنتيجة للإنشطار السياسي الإجمالي، ممّا يضع نخب المجتمع المدني (ومن ضمنه المهني) أمام مسؤولية استثنائية، كما يضع من يردد صبح مساء مقولة ثقافة الحياة أمام مهمات برنامجية، لا أقلها العمل على تأمين مستلزمات الحياة الكريمة للمواطنين، خصوصاً في مناطق الحرمان كي يدافعوا عن ثقافتها وإلا يصبح ترداد الشعار علكاً فارغاً.
في أعقاب انتفاضة 14آذار دَعَونا، عبر هذا الصفحة، اليساريين والعلمانيين عموماً إلى المشاركة في تقرير مصير البلد، ولو من موقع خلفي ودون أوهام، والبحث في ابتداع وسائل المشاركة عوض ابتداع أعذار الإنكفاء (لم يكن ما فعله الحزب الشيوعي في 13 آذار ابتداعاً بل تخلّفاً عن الإلتحاق، سرعان ما أدّى إلى الإلتحاق بحركة الوفاء لسوريّا وحلفائها ولم ينفع تدوير بعض الزوايا اللفظية في إخفاء هذه الحقيقة).
والطريف أنّ انكفاء البعض ارتكز على صفاء إيديولوجي ونقاء علماني مغلفين بغشاء يشبه الجبنة السويسرية، بينما البعض الآخر لايزال ينتظر غودو في محطة لن يمر فيها القطار مهما طال الإنتظار، لأنّه ببساطة ذهب ولن يعود. إنّ إعادة قراءة كارل ماركس وغيره في بعض الدوائر الفكرية الأوروبية تتم في سياق مراجعة نقدية شاملة ولكن طبيعية وذات منحى أكاديمي، رغم عدم ذرف روادها الدموع على رحيل هنتنغتون وتمتعها بتشتت منظّري النيوليبرالية وحيتانها المالية. فرغم حدّة الإنهيار لم نسمع أحدهم يصرخ "أوريكا"، بل ترقب ومراقبة لبورصة نيويورك على أنغام موسيقى الجاز الصاعدة مع صعود الخليس الكيني باراك حسين أوباما، وفي هذه الحال لا غرابة في توزيع المناقيش اللبنانية على المتعاملين في البورصة ، بينما يهرع بعض الممانعين (بما فيهم الممانعون الجدد) لتفحّص متانة أسوار "الممانعة" عند أبواب كسرى بعد إطلاق المحكمة الدولية الخاصة.
هل نضمر دعوة النخب والكوادر السابقة للإلتحاق بحركة المجتمع المدني بمداخلها المتعددة وعدم التعفف عن العمل التنموي بما فيه التنمية الثقافية والديموقراطية، بعد أن تحوّلت الحركة العماليّة اللبنانية وأحزابها إليسارية إلى شبه ركام؟ هل ندعو إلى استبدال العمل السياسي بالعمل المدني؟ بالطبع لا، إذ أنّ التطلّع للخروج من الأزمات بمداخلها الفكريّة والوطنية والقومية والسياسية والتنظيمية يبقى الهاجس الأساسي ولكنّ الجميع يدرك أنها ليست عملية ذهنية فقط على أهميّة إشغال الذهن ، بل إنّها عملية تراكمية تتداخل فيها حزمة من التعقيدات لسنا بصدد التصدّي لمتطلّباتها الآن، مع أنّنا ألمحنا إلى بعض مندرجاتها.
ندرك جميعاً أنّه لا حياة للبنان دون فتح آفاق رحبة للنظام العلماني الديموقراطي الذي يحافظ على غنى التنوع خارج غيتوات الطوائف، ولكن لا آفاق لهذا النظام دون المرور الإجباري بتسوية متوازنة تحت سقف الطائف فلا مواطنة دون وطن. هنا نقتبس من بعض ما قاله محسن ابرهيم في أربعين الشهيد جورج حاوي في الأونيسكو قبل أن يعود إلى الإنتظار! ربّما على رصيف كوكب آخر. تُرى ماذا قصد "الرفيق" أبو تيمور، حين دعا محسن إبرهيم في14 شباط للعودة إلى رصيف الكوكب اللبناني، هل دعاه للمساهمة في قيادة حركة يسارية مستقلة، تعاني ما تعانيه؟، أم أراد تعزيز "طائفة" اليسار في حركة 14 آذار لتحسين المواقع على أبواب انتخابات مفصلية (إن لم نقل مصيرية)؟ فللبيك شيفرة خاصة ومونة خاصة وصلابة خاصة أيضاً.
أمّا الذين عادوا إلى مقولة إلغاء الطائفية السياسية، وميليشياتهم المذهبية وملحقاتها لم تفارق بعد شوارع زهرة العواصم عملياً وقد شهدنا ما فعلته بعد "مفاجأة" 14 شباط، فإننا ندعوهم إلى إعادة قراءة مقال لنا بعنوان "في تعذّر النصر الإلهي الداخلي" وقد صدر على هذه الصفحة في أعقاب احتلال (إعتصام!) وسط بيروت وحصار السرايا.
– طرابلس
(استاذ في الجامعة اللبنانية)
"النهار"




















