الحياة – 12/03/09//
استوقفتني مقالة نديم حاصباني (المحلل في «مجموعة الأزمات الدولية – بروكسيل») في «الحياة»، في 5 آذار (مارس) الجاري، بعنوان «خيارات السودان أمام مذكرة توقيف البشير».
أبدأ ردي بما اتفق فيه مع الكاتب في قوله ان 91 في المئة من الرأي العام العربي يرى ان ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية تحركها دوافع سياسية. ولا اتفق معه في أن الراي العام العربي مخطئ في فهم طبيعة الفظائع التي ارتكبت في دارفور. فالحكومة السودانية لم تنكر اطلاقاً ان هناك أزمة ومأساة في دارفور. ورد ذلك في التقرير الذي أعدته، بتكليف من الحكومة، لجنة تحقيق بقيادة رئيس سابق للقضاء هو مولانا دفع الله الحاج يوسف ونشر باللغتين العربية والإنكليزية عام 2004، لكن التقرير ذكر ان كل الأطراف القبلية المشاركة في النزاع اقترفت انتهاكات، وقد حوكم البعض بالفعل ولا تزال المحاكم الخاصة التي كوّنها وزير العدل تواصل محاكمة آخرين.
نزاع دارفور صراع اقليمي محلي له أبعاد قبلية تاريخية، وقد تفاقم من جراء الجفاف والتصحر بين الرعاة والــمزارعين. رصد تقرير لجنة التحقيق أكثر من ثلاثين نزاعاً مشابهاً سبق ان اشتعلت قبل اســتقلال السودان وبعده، وتمت تســويتها بمصالحات وتعويضات بين الفرقاء بإشراف حكومي. صارت الحكومة هذه المرة طرفاً في النزاع لأن المتمردين، من منطلقات عصبية قبلية، (بامتدادهم وإمدادهم عبر الحدود) وجهوا نيرانهم ليس نحو جيرانهم كالمعتاد بل نحو المطارات والأسواق والقرى والمدارس وقوات الأمن والشرطة. وواجب كل حكومة ذات سيادة أن تحفظ الأمن وسلامة المواطنين والمنشآت.
حدث تصعيد إعلامي لمأساة دارفور فسرته لنا صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية (27/4/2006) بأن الحملة الإعلامية باسم ائتلاف انقاذ دارفور قامت وتقوم بها الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة مدفوعة بموقف السودان من الصراع العربي – الإسرائيلي. هذه خلفية ضرورية لا يمكن التغاضي عنها.
اتفق مع الكاتب في قوله «ان القانون والأمن الدوليين لا يزالان مشوبين بنواقص عدة»، وأضيف: لذلك أن المحكمة الجنائية الدولية رفضت أن تنظر في أمر العراق على رغم أن عدد القتلى والمشردين النازحين أضعاف ما حدث بدارفور. كما انها لم تتحرك للتحقيق في دمار غزة أمام أعين وآذان العالم، الأمر الذي أفقدها صدقيتها وجعلها تبدو انتقائية تكيل بمكيالين. ونحن نتذكر أن وزير الخارجية البريطاني السابق روبن كوك قال عند تكوين المحكمة انها لا ترمي الى محاسبة رئيس وزراء بريطاني أو رئيس أميركي.
أصاب الكاتب عندما سجل رفض الولايات المتحدة المحكمة الجنائية «خشية أن يتعرض مواطنون أميركيون للاعتقال أو الملاحقة في الخارج». ما يمكن أن نقوله في هذا السياق هو أن الوثيقة الأميركية الرسمية لم تكتفِ بعدم الانضمام لميثاق روما لعام 2002 بل ان قانوناً أجيز يبيح للرئيس الأميركي أن يستخدم كل الوسائل لإنقاذ أي مواطن أميركي يمثل أمام المحكمة. تقول الوثيقة أن الولايات المتحدة تخشى «تسييس المحكمة» والسلطات الواسعة بلا مساءلة التي يتمتع بها المدعي العام. وقد صدق حدس الولايات المتحدة في ذلك. فالتسييس حدث في حالة مذكرة توقيف الرئيس عمر حسن البشير كما ان المدعي العام أخذ يتصرف كناشط في جماعة ضغط وتعبئة وتحريض لا كساعٍ من أجل العدالة. يعقد المؤتمرات الصحافية ويزور الدول ويدلي بالتصريحات بل يهدد باختطاف طائرة نقل الرئيس السوداني.
يشير الكاتب الى اهتمام حلفاء السودان والعرب الدوليين الشديد باستقرار السودان ويدعوهم لممارسة ضغوط على النظام في الخرطوم لممارسة ضبط النفس. ونذكر في هذا المجال ان السودان (بقيادة البشير) تعاون مع الأسرة الدولية والوساطة الغربية في تقديم التنازلات لتوقيع اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 التي أنهت حرباً مدمرة ووضعت البلاد على أعتاب الانتخابات والديموقراطية النيابية والتنمية. لم يكافأ بجوائز سلام دولية بل بمزيد من الحصار والعقوبات. تعاون الــسودان (بقيادة البشير) مع الأسرة الدولــية في توقيع اتــفاقية سلام دارفـور في أبوجا بوساطة غربية وإقــليمية. رفــضت بعـض الحركات أن توقّع وواصلت القتال مما يجعل إدانة الحكومة بــسبب «ست سنوات» استمرتها الأزمة بعيداً من الدقة. لأن الأزمة كان يمكن أن تنتهي عام 2006 بحسب اتفاق الحكومة والأسرة الدولية. نعلم ان الذين رفضوا التوقيع عام 2006 قالوا ما قال رئيــسهم عبدالواحد محمد نور لصحيفة «وول ستريت جورنال» (18/6/2008) من أنه يريد للسودان أن يضع حداً لوشائجه العربية والإســلامية! ولدى عبدالواحد هذا مكتب في تل أبيب التي زارها قبل أيام. ما ينبغي أن يذكر أيضاً هو أن بعض الدوائر الغربية (مثلاً، منظمة مجموعة الأزمات الدولية التي ينتمي اليها الكاتب) عارضت اتفاقية الســلام الــشامل لعام 2005 كما عارضت اتفــاقية سلام دارفــور لعام 2006. فهل غرضها هو العدالة أم «تحقيق تغيير فعلي في الســلطة في الســودان» كما يقول الكاتب؟
أما التكهن بأن ينقلب السودانيون على رئيسهم فهو من الأوهام ليس أكثر. ما نراه هو أن الجبهة الداخلية توطدت وتماسكت خلفه كرمز للوطن وللاستقرار والسلام. وإذا أردنا أن نتكهن فإننا نزعم أن هذه الأزمة ستعني في آخر المطاف نهاية محكمة الجنايات الدولية التي ولدها نظام عالمي مختل مالياً وسياسياً يرتكز على دعائم بالية منذ عام 1946 في وقت تغير فيه العالم وتغير فيه السودان. ولعل أفضل دليل على التغيير في السودان هو ان الرئيس البشير وقع في 14/7/2008 على قانون الانتخابات التي ستجرى هذا العام وهو قانون تنال بمقتضاه المرأة أكثر من ربع مقاعد البرلمان أي أكثر من نسبة النساء في البرلمان البريطاني وفي الكونغرس. ونتذكر أن 14/7/2008 كان اليوم الذي أعلن فيه المدعي لوي مورينو أوكامبو توجيه الاتهامات للرئيس البشير. من زاوية أخرى فإن الرئيس البشير افتتح قبل يومين من صدور حكم المحكمة الجنائية الدولية توربينتين في سد مروي على نهر النيل وأعلن عن تخفيض أسعار الكهرباء للمواطنين وللمنتجين. ستشرق الشمس كالمعتاد (على رغم قرار لاهاي) وسيتوجه التلاميذ والتلميذات الى مدارسهم (على رغم قرار لاهاي) وسيواصل السودان التنمية والعمل من أجل السلام في دارفور والبلاد كلها. هذه هي خيارات السودان.
* المستشار الإعلامي في السفارة السودانية في لندن.




















