في مواجهة سياسات الاندماج الاقتصادية الفرنسية والباب المفتوح المنصوص عليه في المادة الثانية من صك الانتداب القاضية إعطاء ميّزة الدولة الأولى بالرعاية لكافّة أعضاء عصبة الأمم، من دون المعاملة بالمثل، شكّلت الوطنية الاقتصادية قاعدة الفكر التنموي الوطني الذي حكم مفهومها في المرحلة التي امتدّت من نظام الانتداب إلى الاستقلال.
إذ كانت الكتلة الوطنية، التي باتت تقود العمل الوطني بوصفها وكيلاً عن الأمة، تقدّم المشاريع التنموية في صيغة مشاريع وطنية. وتزامن العمل لبناء أوّل مشروع صناعي تحويلي عصري، وهو مشروع شركة الإسمنت الذي بوشر به في عام 1928، مع مؤشّرات انتقال السلطة الداخلية إلى الوطنيين. وأعقب هذا المشروع الذي أُطلِقَ عليه اسم "المشروع الوطنيّ الأول"، مشاريع وطنيّة تنموية أخرى في النصف الأول من الثلاثينات من القرن الماضي، في مجال الكونسروة والصناعات الغذائية وصناعات الغزل والنسيج.
فمنذ أواخر العشرينيات، أرست الحركة الوطنية ذات التوجه الليبرالي أسس منهج إحلال الواردات في إستراتيجية التنمية الوطنية السورية، بما يتطلّبه ذلك من حماية جمركية في وجه مزاحمة السلع المصنّعة المستوردة، وتقييد الاستيراد. وسارت حملة الدفاع عن الإنتاج الوطني في الثلاثينيات جنباً إلى جنب مع تعبئة المدن لمقاطعة السلع والشركات الأجنبية، ولاسيّما الفرنسية منها. وكان فخري البارودي قد دعا في العام 1923 إلى مقاطعة الشركات والبضائع الأجنبية فيما عرف بميثاق البارودي الذي جاء منه "أعاهد الله والشرف على أن لا أصرف قرشاً واحداً في حاجة صادرة عن بلادٍ أجنبية، ما دام منها في وطني العربي الكبير، وأن أعزّز اقتصاديات بلادي وأعمل لترويجها بكل ما لديّ من قوة، والوطن شاهدي، والله حسبي ونعم الوكيل".
في إطار الوطنية الاقتصادية، استثمرت الكتلة الوطنية حركات تذمّر واحتجاج معلّمي الحرف التي أفلست أو بلغت حافة الإفلاس جراء سياسات الباب المفتوح للضغط على سلطات الانتداب لتعديل السياسة الجمركية الفرنسيّة وتحويلها من سياسة تقوم على الجباية، إلى سياسة تقوم على الحماية.
وخلال الفترة 1939-1943 توفّرت حماية تلقائة للإنتاج الوطني في شروط ندرة المنتجات المستوردة خلال الحرب العالمية الثانية، واشتداد الطلب جراء تزايد الإنفاق الحربي لقوّات الاحتلال الفرنسية والبريطانية؛ انفضّت إلى تحقيق تراكمٍ رأسماليّ كبير جرى توظيفه في الصناعة التحويلية وفي الاستثمار الزراعي. وانتهت هذه الفترة باضطرار سلطة الانتداب إلى الاعتراف بمبدأ استقلال سورية ولبنان ونقل السلطة إلى الوطنيين.
مع وهن الروابط الاقتصادية السورية مع الاقتصاد الفرنسي وازدياد تركز رأس المال وتراكمه في أيدي رجال الأعمال وإضعاف مركز فرنسا في سورية بتأثير الضغط البريطاني واحتدام التناقضات الانجلو فرنسية وموقف القيادات الوطنية وتحوّل السلطة السياسية إلى أيدي التجار المحليين والصناعيين، أصبح الطريق ممهّداً أمام توسعٍ صناعي أكبر. إذ قفز عدد المنشآت الصناعية من 17 منشأة عام 1939 إلى 45 منشأة عام 1946، وازداد رأس المال المستثمر في المنشآت الصناعية من 20 مليون ليرة سورية عام 1939 إلى 96 مليون ليرة سورية عام 1946 [1].
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وجلاء الجيوش الفرنسية والبريطانية، وحصول سورية على استقلالها السياسيّ التام، واجهت الصناعة السورية زيادة منافسة السلع الأجنبية المستوردة للسلع السورية بعد عودة التجارة الدولية، وانخفاض الطلب الفعّال في السوق السورية على المنتجات الوطنية جراء انسحاب القوّات الفرنسية والبريطانية كليّاً. وقد ترافقت هذه الصعوبات مع تضاعف عدد المنشآت الصناعية. إذ تأسّست في فترة 1946-1950 عدّة شركات صناعية جديدة، كان أكثرها أهميّة 8 شركات برأسمال إجمالي بلغ 52 مليون ليرة سورية. وبعض هذه المنشآت التي تأسّست على عجل كانت تفتقد إلى الدراسات الأولية. ونتيجة ذلك بدت عدّة صناعات مفرِطة في توسعها بالمقارنة مع الاستهلاك الداخلي، وغير مهيّأة بدرجة كافية لمواجهة المنافسة الأجنبية في السوق الداخلية وفي الأسواق الدولية [2].
إزاء هذا الوضع اضطرّت المنشآت الصناعية السورية للعمل بأقل من طاقتها الإنتاجية المثلى أو إلى زيادة حجم مخزونها من السلع. ونتج عن الأمرين زيادة تكاليف الإنتاج، مما جعله غير قادر على منافسة السلع الأجنبية، وهذا ما عكسه ركود قيمة الإنتاج الصناعي من 80 مليون ليرة سورية عام 1946 إلى 79 مليون ليرة سورية في العام 1949 [3]. ومن أجل تجاوز حالة الركود، وفتح المجال أمام تشكيل شركات صناعية جديدة لاستيعاب مدخّرات وأرباح فترة الحرب، غدت مسألة حماية الصناعة الوطنية طرحاً قويّاً كضرورة حاسمة.
من جانبٍ آخر، نتج عن الاتفاقية اللبنانية الفرنسية الموقّعة في كانون الثاني/يناير 1949 حلّ الوحدة النقديّة بين سورية ولبنان وسحب الليرة السورية من التداول في لبنان والاحتفاظ بها من قبل الحكومة اللبنانية كدينٍ بمبلغ إجمالي قدره 44,6 مليون ليرة سورية-لبنانية [4].
وقد ترتّب على حل الوحدة النقدية بين سورية ولبنان، مع بقاء الاتحاد الجمركي بينهما، آثار سلبيّة على الاقتصاد السوري عموماً وعلى القطّاع الصناعي بشكل خاص. إذ بسبب الانفصال النقدي واحتجاز أصول الفرنك العائدة لسورية، كانت سورية مضطرّة للحصول على الليرة اللبنانية لتأمين مستورداتها الأساسية مستفيدةً من تابعية التحويل الجزئية لليرة اللبنانية. ونتج عن ذلك ازدياد الطلب على الليرة اللبنانية، ممّا أدّى إلى نشوء حالة سجّلت فيها الليرة اللبنانية علاوة في علاقتها مع سوق العملات ببيروت. كما أدت قابلية الليرة اللبنانية للتحويل إلى بعض العملات الأوروبية خلافاً لليرة السورية إلى تركّز عمليات القطع في سوق بيروت، وتوسع دور الوسطاء اللبنانيين كمورّدين للمستوردات السورية. على أنّ أكثر الأمور أهميةً تمثل بالظروف التي كان الاتحاد الجمركي يعمل فيها. فقد كان من الصعب على سورية التحكّم بحركة التجارة والقطع الأجنبي.
لم يعد ممكناً بعد ذلك أن تتعايش التنمية الصناعية مع الإبقاء على الاتحاد الجمركي بين سورية ولبنان. لذلك وجّهت الحكومة السورية في 7 آذار /مارس 1950 مذكّرة إلى الحكومة اللبنانية تخيّرها بين الوحدة الاقتصادية الكاملة أو إلغاء الاتحاد الجمركي. لم تقبل الحكومة اللبنانية مبدأ الوحدة الاقتصادية، واقترحت تعديل الاتحاد الجمركي لتجنّب جوانب قصوره. هكذا اتخذت الحكومة السورية في 13 آذار /مارس 1950 خطوةً حاسمة عندما قرّرت إنهاء الاتحاد الجمركي، إلى جانب بعض التدابير المؤقتة التالية [5]: 1- تطبيق أنظمة الرقابة النافذة على القطع في سورية بالنسبة إلى البلدان الأخرى على الصفقات مع لبنان، والمسافرون إلى لبنان ومنه لا يسمح لهم بحمل بنكنوت سوري يزيد عمّا يعادل 50 ليرة سورية. 2- عدم السماح بإدخال أي سلعة من لبنان إلى سورية باستثناء سلع العبور والسلع المعفية من الرسوم الجمركية والمنتجات البترولية. 3- الإبقاء على مراكز الرقابة الجمركية على الحدود اللبنانية لمنع التهريب. 4- منع السوريين من السفر إلى لبنان إلا بإذنٍ خاص يُمنح في الحالات الاضطرارية.
بعد إيقاف العمل بالاتحاد الجمركي أصدرت الحكومة السورية تشريعاً آخر يتعلّق برخص الاستيراد ورفع التعرفة الجمركية على بعض السلع المستوردة المنافسة كمعلّبات الفواكه والخضار والمربيات والسكاكر والألبسة الصوفية والقطنية المختلفة من 25% إلى 40% أو 50%. ثم فرضت ضريبة استهلاك على المستوردات بلغت نسبتها 5%. وفي عام 1951 رفعت التعرفة على العديد من السلع النسيجية النهائية وأنواع مختلفة من الصابون من 40% إلى 50%، حتّى 70% على الزجاج. كذلك تم تقييد استيراد الأنوال وآلات الحياكة ومنع تصدير منتجات مختلفة لنقص المعروض منها محلياً بالإضافة إلى بنود متعدّدة لمواد أولية هامة والقطن الخام وبذر القطن والصوف الخام وجميع الفواكه والخضار وأخضعت للترخيص. كما أخضعت الأحذية والجزمات إلى جانب منتجات أخرى إلى قائمة السلع المحظور استيرادها.
ثم عرف عام 1952 بعض الإجراءات التي جعلت السياسة الحمائية أكثر منهجيّةً وتماسكاً؛ ومنحت وزارة الاقتصاد الوطني سلطة استنسابية تقريباً لجهة تأمين متطلّبات حظر الاستيراد والتصدير والترخيص، استخدمتها بقليلٍ من التحفظ ولاسيما بالنسبة لحظر الاستيراد الذي فرض على أربعة مجموعات رئيسية من المستوردات: • السلع المنتجة محلياً بكميات مناسبة لتلبية الاحتياجات المحلية؛ • السلع التي يمكن إحلال منتجات محلية مماثلة عوضاً عنها؛ • السلع الكمالية؛ • التجهيزات التي تزيد طاقة صناعية مجهّزة بأكثر من الحاجة.
وعلى الرغم من أن الحظر على المستوردات المنافسة كان مازال نافذ المفعول، فقد تمّ محو بعض المستوردات غير المنافسة من قائمة الحظر خلال الفترة 1953-1954. من ناحية أخرى، منع استيراد القطن المحلوج والمغازل وآلات الحياكة المستعملة؛ بينما ألغيت ضريبة الصادرات على القمح، كما تم إلغاء ضريبة الصادرات على القطن الخام. ثمّ أزيلت الرقابة على الأسعار بالنسبة للسلع التي تتمتّع بحماية عالية! [6].
* اقتصادي سوريّ
[1] سمير مقدسي: التطوّر الصناعي في سورية، الأبحاث، مجلة فصلية للجامعة الأميركية في بيروت، أيلول/سبتمبر 1960.
[2] البنك الدولي للإنشاء والتعمير، التطور الاقتصادي لسورية، منشورات جون هوبكنز، لندن 1955.
[3] عبد القادر النيّال: التصنيع والتبعية، أطروحة ماجستير، معهد الدراسات الاجتماعية، لاهاي، هولندا، عام 1974.
[4] إدمون عصفور: سورية، التنمية والسياسة النقدية؛ جامعة هارفارد، 1959.
[5] الياس سابا: الوحدة الجمركية السورية-اللبنانية: أسباب الفشل ومحاولة إعادة التنظيم، أوراق اقتصادية للشرق الأوسط 1960.
[6] النياّل، التصنيع والتبعية، مرجع سابق، ص 103-104.
"لوموند ديبلوماتيك"




















