وسام سعادة
تراهن فرنسا خصوصاً وأوروبا عموماً، وتضاف أميركا مع إدارة أوباما كلينتون، على مسلك قوامه الكثير من الصبر والجمع بين الحزم والمرونة لأجل حمل سوريا شيئاً فشيئاً، على تعديل نظرتها وأسلوب تعاملها حيال لبنان. يصحّ وصف هذا المسلك بـ"التربويّ".
هكذا تتحوّل "العلاقات الديبلوماسية" اللبنانية السوريّة إلى ما يشبه دورة تربوية تأهيلية تتولاها فرنسا من ناحية المتابعة والإشراف، ومن حيث هي تاريخياً، الطرف المؤسّس للكيانين اللبنانيّ والسوريّ، والذي يتحمّل بشكل أو بآخر مسؤولية منح الإستقلال إلى البلدين قبل أن يكون من الممكن التثبّت من تعطيل المنازع الإلحاقية والإلتحاقية التي يمكنها أن تعكّر صفو العلاقات بينهما.
وفرنسا تقوم بدور تاريخيّ للغاية عندما تنجح في ظلّ رئاسة نيكولا ساركوزي في انتزاع اعتراف ثنائيّ، من أعلى السلطات في لبنان وسوريا، بدورها المشرف على مسار تحسين العلاقات بين البلدين. فهي أوّلاً تتحرّر من عقدة ذنب كولونيالية تجاه سوريا، إذ تستشعر بأنّها ميّزت في العهد الإنتدابيّ بين البلدين لصالح أصغرهما، أي لبنان، وقد جاء الوقت الآن للتوفيق بين خصوصية علاقتها بلبنان وبين ايجاد موطئ قدم لإستراتيجية فرنسية في الشرق تمرّ من البوابة السوريّة. وهي ثانياً تؤمّن مصالحة سوريا مع تاريخها، فالكيان السوريّ وحده من كل المستعمرات الفرنسية السابقة هو الذى استأصل تماماً أي شبهة فرانكوفونية فيه، وبدل أن يساهم هذا الإستئصال في تقريب سوريا ولبنان إلى بعضهما البعض إذ به يؤدي إلى المزيد من التفاوت بين البلدين الجارين.
يمكن الإفتراض إذاً أن فرنسا تعي أكثر من سواها أهمية اعتراف سوريا بلبنان لأنّها أوّلاً تعي صعوبة هذا الإعتراف وكونه يفتح على تناقضات حقيقية بين الكيانين تعود بأسباب عقوداً الى الوراء قبل أن يتولّى بشّار الأسد السلطة، بل قبل أن يستأثر بها "حزب البعث".
فإعتراف سوريا بلبنان هو أكبر تغيير نوعيّ يمكنه أن يطرأ على الذهنية الحاكمة في سوريا كونه يمهّد لتغيير كامل هذه الذهنية شيئاً فشيئاً. قصارى القول أن اعتراف سوريا بلبنان كدولة مستقلّة ذات سيادة لا كدولة منسلخة أو عارضة أو مؤقتة، إنّما هو التمهيد لإعتراف الكيان السوريّ بنفسه، كدولة أمّة قائمة بذاتها، لا ترهن حاضر ومستقبل شعبها بوحدة مع العراق الهاشمي أو مع مصر الناصرية، ولا تدمّر العلاقات مع جوارها من خلال فرض الهيمنة على الشعبين اللبنانيّ والفلسطينيّ بدعوى أنّهما مجالان حيويان لها، كما كان الحال مع آل الأسد.
وإذا كان اعتراف سوريا بلبنان مدخلاً لإعتراف سوريا بسوريا، فإنّ "العلاقات الديبلوماسية" ليست إلا نقطة البداية على طريق تأمين هذا الاعتراف المزدوج وترسيخه، وتليها بعد ذلك مسألة "ترسيم الحدود". وعلى هذا الأساس يجري النظر إلى هذه العلاقات الديبلوماسية على أنّها "المعبر" نحو وقف التدخّل السوريّ في الشأن اللبناني، إذ إن التقدّم "الشكليّ" أو "الرمزيّ" في هذا المضمار من شأنه ان يفسح في المجال لاحقاً لتغيير "فعليّ" وفي المضمون.
حتى الآن، ما زالت سوريا قادرة على التعامل مع السياسة "التربوية" الفرنسية والغربية هذه على أساس إبراز قدرتها على تحقيق تقدّم "شكليّ" في مسألة العلاقات الديبلوماسية لكن بالتقسيط الممل، وعلى قاعدة تجزئة الملف إلى تفاصيل يحتاج كل منها إلى مساع تبذل على أعلى مستويات وإلى أثمان وجوائز ترضية. لكن سوريا ما زالت حريصة على التأكيد بأن مرونتها "الشكلية" لا تستتبع تبديلاً نوعياً في الذهنية التي تحكم تعاملها مع لبنان.
ما زالت سوريا مقتنعة بأنّه يمكنها الإعتراف "شكلاً" بلبنان من دون الإعتراف به "مضموناً"، تماماً مثلما أنّها كانت عدلت منذ وقت طويل عن إنكاره "رسمياً" إنّما كانت تتجاهل كيانيته المستقلّة "عملياً".
والواقع هنا أنّه مهما بذلت من سياسات فرنسية أو غربية ذكية لحمل سوريا على تبديل موقفها من لبنان شيئاً بعد شيء، فإنه سيأتي وقت تكون فيه سوريا فعلاً أمام وجوب الإختيار بين أن يكون اعترافها بلبنان شكلياً، أوجبته قرارات دولية وعلاقات دولية، أو أساسياً أوجبه وعي سوريا بأن اعترافها بلبنان هو الشرط الضروريّ لاعترافها بنفسها كدولة مستقلة بذاتها هي الأخرى، أي دولة قادرة على تحمّل أعباء استعادة هضبة الجولان المحتلة إذا ما وصلت المفاوضات مع اسرائيل يوماً إلى مثل هذه النتيجة.
وإذا كانت سوريا ما زالت تحرص على البطء الشديد في اتمام مراحل "الملف الديبلوماسي"، فإنّها تدفع ثمن هذا البطء يوماً بيوم تكريساً لدور المستعمر السابق، فرنسا، في الإشراف على مجرى العلاقات بينها وبين لبنان.
وهذا التكريس هو أوّل وأكبر تحريك من نوعه لحال التبلّد الأيديولوجيّ والثقافيّ في الجسم السوريّ. فبعد كل شيء كان يمكن لـ"حزب البعث العربي الاشتراكي" أن يتصوّر كل شيء إلا أن يكون تحسين علاقات بين بلدين عربيين جارين هو مهمة يوكلها هذان البلدان إلى المستعمر السابق.




















