انطلاقاً من تجربتهم في ايرلندا الشمالية، البريطانيون خبراء في اطلاق الحوار مع اعدائهم المسلحين تحت صيغة الفصل بين الجناح السياسي والجناح العسكري. فهل الاعلان البريطاني عن فتح الحوار مع "حزب الله" اللبناني هو المقدمة المدروسة بين لندن وواشنطن لفتح المجال امام اعلان جديد لاحق اوروبي او اميركي مع حركة "حماس"؟ هذا السؤال لا تطرحه فقط مصادر ديبلوماسية اوروبية مطلعة بل تعتبر ايضا انه موضع اتصالات وبحث بين مراكز صنع قرارات السياسة الخارجية ومراكز دراسات في بعض الدول الاوروبية الكبيرة ومنها المانيا.
الاخراج الشكلي للموقف… متوفر عندما تتوفر الارادة السياسية. فصيغة "الجناح السياسي" لـ"حزب الله" كان يمكن اعتمادها لفظياً لتبرير الاتصال قبل سنوات وليس الآن. الامر نفسه بالنسبة لـ"حماس".
مع "حماس" بطبيعة الحال – والحال هنا هي الحساسية الاسرائيلية الاعلى توتراً حيال التنظيم الاصولي الفلسطيني منها حيال التنظيم الاصولي اللبناني – ستكون ادارة اوباما ومعها ايضاً الاوروبيون معنية بايجاد مخارج براغماتية لتجاوز الشرط المستحيل حالياً الذي وضعته ادارة بوش. وهو شرط اعتراف "حماس" باسرائيل كمقدمة قبل اي حوار معها. اي انه – للتذكير – الشرط الذي وُضع ايام الرئيس بوش بهدف فعلي هو عدم اجراء الحوار وليس الحوار، لا سيما بعد فوز "حماس" في انتخابات تشريعية ذات مصداقية، بل الانتخابات التي كانت نتائجها مسلماً بها لدى المراقبين العرب والغربيين كنتائج حقيقية قياساً حتى بعمليتين انتخابيتين جرتا في المرحلة نفسها في لبنان والعراق وكانتا موضع تشكيك في بعض وجوهها.
لا شك ان المراقب لعدد من المواقف والتعليقات في الصحافة الاميركية يلمس ان "حقبة اوباما" قد بدأت تعطي مفعولها في تغيير "المنطق" السياسي للعلاقة الاميركية مع "حماس"، حتى ان معلقاً مثل روجر كوهن في "النيويورك تايمز" قبل اسبوعين (8 آذار) ذهب الى حد السؤال عن اسباب قبول "تدرج" زعماء اسرائيل في رفض قيام "الدولة الفلسطينية" ثم موافقتهم اللاحقة على "حل الدولتين" في حين يرفض الغرب منطق موافقة "حماس" المتدرجة الاعتراف باسرائيل؟
المخرج… عندما يحين موعد اعلان قرار الحوار مع "حماس"، سواء من بريطانيا او الاتحاد الاوروبي او من واشنطن هو في البحث عن صيغة نبذ العنف، في هدنة او اتفاق عبر وسيط، تكون بديلاً عن شرط الاعتراف باسرائيل. على الاقل يمكن للاوروبيين ايجاد هذه الصيغة بعد ان "اقحموا" انفسهم في التبني الكامل لموقف ادارة بوش بشكل اثار استنكار او على الاقل استغراب العديد من خبراء السياسة الخارجية الاوروبيين المتعاملين مع المنطقة. مع العلم يومها انه حتى الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي تلت انتخابات العام 2006 حاول ان يدعم المنطق "التدرجي" في موقف "حماس" من اسرائيل الا ان الرفض الاميركي – الاوروبي (الاسرائيلي طبعاً) ارغمه على الدخول في مسار آخر مختلف… ادى بالنتيجة الى اضعاف موقع محمود عباس نفسه ان لم يكن الى تقويضه كمرجع اعلى للفلسطينيين. وهذا وضع، ناهيك عن مسؤولية محمود عباس حياله، كما "مسؤولية" هزال القوة الاستقطابية – التنظيمية لـ"حركة فتح" هو ايضاً نتيجة سياسات القطيعة الاميركية – الاوروبية المطلقة مع "حماس"… والمستمرة حتى الآن على المسرح العلني. وللتذكير ايضاً، فإن "اتفاق مكة" في شباط 2007 الذي وقع بين عباس وخالد مشعل برعاية العاهل السعودي، يحمل في صياغته اشارات تدعم المنطق "التدرجي" في مواقف "حماس" من التسوية السلمية. لكن وزيرة خارجية الادارة الاميركية السابقة كوندوليزا رايس رفضت الاتفاق فوراً على اساس المعيار "المطلق" لشرط الاعتراف باسرائيل، وتبلور الموقف الاوروبي سريعاً في هذا الاتجاه، اعتباراً من تصريح خافيير سولانا، مما ساهم في سد الافق السياسي الدولي امام هذا الاتفاق، في وقت كان الطرفان الفلسطينيان غارقين في تناقض يومي من الصراع على الارض زاده سخونة الانسداد الخارجي. مرة اخرى كان يمكن للاوروبيين في ظل ممانعة عقلانية اكبر لحليفهم الاميركي ان يلعبوا دوراً بنّاء في منع الانفجار النهائي بين الطرفين الفلسطينيين، عبر تخفيف هاجس "حماس" من خطر الاطباق الكامل عليها في غزة… قبل ان تقع المواجهة في حزيران 2007 التي ادت الى ضرب "فتح" واجهزة "السلطة" الامنية وسيطرة "حماس" الكاملة على القطاع… ثم المواجهة الاهم مع الاجتياح الاسرائيلي الاخير لغزة… وعبرها تحولت "حماس" الى معطى سياسي اقوى في معادلات المنطقة.
• • •
حتى الآن "صدمة اوباما" رغم كل البطء الذي يخيّم على عدد من مبادرات الرئيس الجديد، حققت امراً مهماً هو تغيير ملموس في "اللغة" السياسية في الشرق الاوسط، رافقه بعض "اعادة التموضع" في علاقات دول المنطقة، كعودة التواصل السعودي – السوري وبدرجة اقل المصري – السوري. لكن اللغة السياسية من العديد من المعلقين، كما مراكز الابحاث في واشنطن تغيّرت ايضاً تحت اجواء الانعطافة "الاوبامية"… مع ان تحويل هذه الانعطافة الى برنامج سياسي ملموس لم يحصل بعد سواء حيال الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، او العلاقات السورية – الاميركية وعبرها طبعاً "المسار" السوري – الاسرائيلي. او الموضوع الاصعب المتعلق بالعلاقات الاميركية الايرانية… حتى الخطاب المهم الذي توجه به اوباما الى ايران… لا زال ينتظر ترجمته السياسية.
لدى العديد من المراقبين من داخل الشرق الاوسط، كما من اوروبا للمرحلة الجديدة خشية متنامية من ان تؤدي ضخامة المهام ذات الاولوية المطروحة امام الرئيس باراك اوباما حيال الانسحاب من العراق و"الهجوم" في افغانستان – باكستان الى اشغال الادارة الجديدة بشكل متصاعد يؤدي مع انتهاء زخم العامين الاولين الى اضاعة الوقت في منطقة الصراع العربي – الاسرائيلي… لا سيما مع وجود حكومة اسرائيلية غير مشجعة على السلام… على الاقل مع الفلسطينيين لاسباب عديدة، وحتى لو ان التوقعات لا تنتظر ان تعيش هذه الحكومة طويلاً… فإن "عمرها" الآتي سيكون كفيلاً باضاعة زخم العام الاوبامي الاول ان لم يكن اضاعة العامين الأولين على هذا الصعيد.
( alkadaya@hotmail.com)
"النهار"




















