المستقبل –
"المرأة التي تلحق بالرجال". بهذه الجملة يشار الى جورجيا فيوريو، المصوّرة الايطالية التي تعرض باريس اليوم (حتى الخامس من نيسان) عملها "الهبة" الذي يتناول الموروث الروحي للانسانية.
فيوريو من مواليد 1967، درست في "المركز الدولي للفوتوغرافيا" وتابعت دورات "وورلد برس فوتو" في 1994.
في الماضي صوّرت مصارعي الثيران، البحارة، جنود الفرقة الأجنبية، عمال المناجم… جماعات ذكورية تحفّ المخاطر بحياتها، وتعتمد على القوة الجسدية وبلوغ الحدود القصوى في التجربة ومجاورة الموت. مع اهتماماتها هذه تكونت لديها رغبة في شمول نظرتها لما بعد الواقع المادي، والاهتمام أكثر بقوى أخرى روحية وباشكال الحياة الداخلية، فكان ذلك رهاناً ومفارقة في مسيرتها الفنية: ابراز المجرّد غير المرئي الخارج عن الوصف.
من هنا عملها الأخير "الهبة"، حيث تتساءل فيوريو عن ماهية القوة التي تدفع بالحجّاج الى عبور الصحاري والجبال الوعرة، وعن الصفات المشتركة بين هؤلاء الذين يرفعون أيديهم نحو السماء، وأولئك الذين يحنون رؤوسهم حتى تلامس الأرض.
تسأل: "لماذا البعض يكون عارياً تماماً، والبعض الآخر متستراً؟ البعض حليق شعر الرأس، والبعض الآخر يترك شعره متدلياً؟ من يسكن أجساد هؤلاء الذين يجلدون أنفسهم او يطلونها بالرماد او يوشمونها بشتى الرسوم الغريبة المتداخلة التي تغطي كامل الجسد؟ من يختبىء خلف الأقنعة والحجب؟ هل الرعدة والتأمل والتبصّر تقود كلها الى ادراك الموت والواقع المادي المؤلم للحياة بما لا يوصف؟".
لا تنضب اسئلة فيوريو طالما تعيش التجربة المباشرة من دون ميول موسوعية. انه "مسار ذاتي"، تقول عن عملها "الهبة"، الذي عادت فيه الى اصول المعتقدات وأول النصوص الشفهية المقدسة للوثنية، فجر الطقوس والحركات المكررة وتردد اصداء الارتعادات بمواجهة الغاز الوجود.
"أبعد من الفضاء الزمني الكوني، تتقاطع متاهات العبور بحثاً عن اتساق الهوّية الخارجية للفرد وأناه العميقة. كتبت تاريخ المعتقد بالتوازي مع تاريخ اللغة رسماً مسار البشر. اللغة والكتابة ترويان التاريخ الاجتماعي للمعرفة عبر التبادل. رسمت المعتقدات في البدء التاريخ الذاتي للفرد ضمن نسيجه الثقافي، في مفهوم شخصي للغامض والمجهول: السر، المقدس، المستور السحري، ماضي الأجداد، المستقبل المقدس الذي لا يمكن مسّه،المفهوم الزمني، البعد المكاني، وأخيراً معنى الوجود بتعقيداته. كلها تأثيرات مسارات مختلفة، تلاقت وتراكمت في مفردة واحدة "الهبة"، هذه الكلمة بمعانيها ودلالاتها المجازية من اقدم المفردات في اللغات، تملك معنيين: العطاء/ الوهب، والتلقي".
تعتقد فيوريو ان محدودية الوجود المادي مرتبطة بديهياً باللغز. فالحياة الانسانية تؤخذ كنعمة وتقدم كجزية، كتضحية ونذر. "في قلب كل تلك الأسئلة يسم البعد الجسدي الحال الانسانية في كل واحدة من المعتقدات والطقوس التي صوّرتها. بعقلنته عن طريق الحركات، بتدربه وسيطرته على الغرائز، بقهره وإماتته، بتطهيره، بتكريمه، بتزيينه، بتعريته، بهذيانه والهيمنة عليه، بخلاصه وافتدائه، يبقى الجسد هو حامل ظاهر التناقض، مفارق للبعد الروحي ووسيط بين الحياة والموت. واذا ما كان الروح هو حقيقة الظل، فهل الجسد هو ظل الظل؟" تتساءل فيوريو.
"الهبة" هي الحياة وهي الموت ايضا. الأمل الموعود بحياة بعد الحياة. تنغلق الدائرة، الحياة الموهوبة كنعمة سرعان ما نسلمها" تخلص فيوريو.
"الهبة" موضوع بدأت تصويره منذ العام 2000، وقادها الى اماكن عديدة من العالم: اثيوبيا، بولونيا والفيليبين (الفصح وتعذيب الجسد). هايتي (الفودو). الهند (الحج الهندوسي الكبير الذي يقام كل 12 عاما، تكريم الموتى). الحياة النسكية في الهملايا والتيبت. البوذية المحلية في الهند الصينية وببرمانيا (طقوس الصمت والحركات الجسمانية البطيئة)، الرهبان الموشومون في تايلاند، والرهبان المناضلون في كمبوديا. الطقوس الاحيائية في أوقيانيا وافريقيا. جراويش الصوفية في تركيا. طقوس الشينتو في اليابان. طقوس وشم النساء على الحدود الصومالية ـ السودانية. عبادة الرجل ـ العصفور في جزر الفصح. طقوس التطهر الصينية وثقب الجسد لاستقبال الروح من خلال الألم. صلاة الجمعة في أندونيسيا. طقوس البرازيل الافرو ـ لاتينية. البيرو (معارك الانكا مع المستعمر الاسباني). الطقوس الشامانية في القارة اللاتينية.
في صور فيوريو استسلام لنشوة داخلية، لقوة صوفية الهية، أفكار غادرت الأجساد. صور توحي بالنسك والتحرر من المادية.
عن ماذا تبحث فيوريو في "الهبة" التي توحي بمبدأ الانتقالية؟ لمن؟ ممن؟ لا تجيب عن مجمل التساؤلات كما يرى غبرييل بوريه، لأن العمل ليس بحثاً عن مظاهر الايمان فقط انما هو شهادة على مسيرة فيوريو نفسها التي اكتفت برسم ملامح عامة تستند الى الفهم والوصف والمشاركة. فهل يمكن للفوتوغرافيا ان تكون حجة لصالح ميْل ذي بعد فلسفي او حتى ما ورائي يتجاوزها؟ "بالتأكيد لا"! يجزم بوريه لأن الفعل الفوتوغرافي، بما فيه الأكثر موضوعية، ليس محايداً، فهو اختيار النظرة عبر حدود الصورة، ومدى انفتاح هذه الأخيرة في حلتها النهائية على التأويل. "الهبة" ليس قصة الفرد الذي يهب نفسه للكاميرا انما قصة فيوريو التي تتلقى وتهب. في طبيعة وخصوصية نظرتها وأسلوبها هناك اضافات للمعنى وللمشاعر وللروح. ما يؤخذ عبر هذه الصور هو تجربة المصور والموضوع مشتركين.
في صور فيوريو طقوس دينية أو وثنية، فردية أوجماعية، عفوية أو موروثة، تمارس كلها عند مفترق التجاوز المادي للذات التوّاقة الى الروحاني. تواجه فيوريو هذا الواقع الذي لا نعرف بالضرورة علاماته وكأنها وضعت بمواجهة لغة تجهلها. مواجهتها هي تفكيك لمعاني اجساد ومواقف. تفكيك لشيفرة يجب ان يكون اقرب الى المعاني الاشتقاقية ومعرفة ما خفي في الظل واعطائه معنى في نظم من الأفكار.
مسار المبدع أهم من النتيجة. تفضل فيوريو وصف عملها الفوتوغرافي بـ "المهمّة" لما تتضمن هذه العبارة من التزام اخلاقي. لا تقوم اعمالها على التعداد والتصنيف، انما ترتكز على تزامنية ارشدتها، كوْن المساءلة في المهمات تحمل اضاءات جديدة وتأكيدا لفرضيات.
ثبّتت فيوريو لحظات مميزة عن الوجود، لحظات البحث الانساني عن الحقيقة والرحمة والغفران. سرٌ مشترك سكن الأجساد التي صوّرتها وبدا في كل أشكال حركاته، شفافاً مشرقاً في أبهى صفائه، أو مشرذماً احياناً عندما تنتابه رعدة. المقصود هنا، التجربة على خلفية لغة الجسد في حضوره الاستثنائي، متّحداً، متحاوراً مع الطبيعة (الماء، النار، الارض) او معدن أدوات مستخدمة في بعض الطقوس، وجزءاً من حركة، من مشهد كامل تنتقي الفوتوغرافيا منه لحظة رمزية.
"الهبة" مواجهة مع الجسد الاشارة، او تفاصيل من خطاب. لم تدّع فيوريو انها سهّلت القراءة والتفسير. انما تركت لنا ملء الحرية في اللحاق بها او التوجّس منها. "الهبة" سؤال فيوريو للآخرين كما تساؤلها الذاتي، هو مسيرة موضوعية وذاتية في الآن نفسه، وثائقي وفني، لأنه لا يحمل مضموناً دون الشكل والعكس. البصري يمتزج بالفكري. التوتر مستمر في تكوين الصورة وفي الأبعاد كما في الضوء الذي ينير الأمكنة وناسها. تبحث في الطقوس عن ظاهرة تسميها الانبثاق. التي ربما تشبه اعتراف المريض امام معالجه النفساني. هناك شيء ما في جوهر الفوتوغرافيا ينتنمي أيضاَ الى صلب الموضوع الذي تعالجه: الظهور والرؤيا.
في عملها "تعليم البحر" 1999 ابحرت فيوريو على سفينةـ مدرسة برتغالية وشاركت الطاقم مشقّاته، عاشت مجتمعاً ذكورياً منغلقاً على مغامراته وانعزاله ووحشته "المتغلغلة حتى في اشرعة السفينة"، وعيشه على ايقاع المناورات وصفارات القبطان. حققت "ان تكون مصارع ثيران" 1997 ، بعد جولة اسبانية استغرقت اشهراً لتكشف الجهة الخفية من حياة رجال انسحبوا في عزلة لأجل حلم قد لا يتمكنون من تحقيقه، واذا فعلوا قد يواجهون الموت أمان ثور هائج مرتدين بزّاتهم المطرّزة بخيوط ذهبية. "رجال الإطفاء" 1998، الذين يتقدمون لهذه المهمة اختيارياً، هم عادة المساجين المحكومون بأحكام قصيرة في جرائم المخدرات او السرقة أو الغش. لذلك دخلت سجن" سوزان" في كاليفورنيا الذي يضم نحو أربعمئة سجين بحثاً "عن هؤلاء الذين يواجهون مواقف خطرة تصل حد الموت، دون أن يحصلوا على أدنى أجر او على أسباب حقيقية. "لقد عشت معهم لحظات قيّمة".
قالت في مقابلة: "بخلاف الرسم والكتابة، الفوتوغرافيا هي وليدة الطارىء الذي اذا ما التقط في صورة يخرج عن سياقه فنمتلكه ويتحول في جموده الى شيء آخر. أشعر في البداية بجهلي للكثير عن موضوعي. يشبه هذا الشعور حنيناً لا واعياً نحو المجهول احمله في داخلي. أتعرّف أولاً على البيئة والأزياء وحتى التكوين المادي، ثم أبدأ شيئاً فشيئاً بتصحيح بعض الأفكار المسبقة، انسحب من الواقع وأبدأ البحث. نبحر سوية، موضوعي وأنا. "المواجهة الجسدية!" كم لهذا التعبير من صدى في زمن التكنولوجيا والافتراضي. يبدو ذلك باطلا ومتخلفاً، فما هي الكلمة البديلة؟".
من الصعب تعيين البطل أو الشخصية المركزية في أعمالها، كل ما نلحظه هو أثر للغموض. برّر أحد النقاد ذلك بافتتانها بالجماعة.
تعاطى العديد من المصورين مع القواعد التي تحكم أجواء الأماكن المغلقة السجون، المستشفيات، المصحات النفسية…) مستغلّين امتنان نزلاء هذه الأماكن لهم. غير أن الأمر يكون عكس ذلك، احياناً، النزلاء عاجزون عن الهروب من عدساتهم. تناولت جورجيا فيوريو مجتمع الرجال من خلال الجماعة، الاشخاص الذين اختارتهم احتفظوا بحريتهم. الصفة المشتركة التي يتمتع بها "رجالها" هي استعدادهم الدائم لخوض الصراعات والمعارك مع المجهول الذي يختلف بنظر جماعة وأخرى: ربما يكون النار، واحياناً أخرى قد يكون الحيوان او البحر او العدو.
راقبت الجماعة بمنهجية، رصدت الاستعداد لمواجهة الأقدار. صورت ذروة المواجهة مروراً بطريقة الحياة القائمة بمجملها على الطاقة المادية والقوة الجسدية. عمال المناجم، جنود الفرقة الأجنبية، مصارعو الثيران، البحارة، هم المثال الذي يختصر هذه القوة. اختارت البطل الذكر. ثم تجاوزت الأجساد لتبلغ ابعاداً أخرى خارقة روحانية. توجهت من الجسدي الى الروحاني، من السطوح الى الأعماق، من الجماعة الى الفرد، فالعزلة. لأعمالها مسار آخر عند مستوى قراءة الصورة التي تنفي اعتبارات المكان والزمان، وتدعو المشاهد الى الخروج على الوثائقية التقليدية.
تشدد فيوريا بوعي حاد على الشكل الفوتوغرافي اطاراً وأبعاداًَ وقيماً لونية محصورة بين الأسود والأبيض، وكلها متطلبات زينت صورها بأبعاد عاطفية وايقاعات بصرية غير مملة: "أبحث عن اللحظة التي يتحول فيها الواقع الى مجرّد. اليست الصور افتراضاً واحتمالاً؟ في الفوتوغرافيا نتحدث عن تثبيت وتجميد، عن اسر. انه لمن الصعب الوثوق دائماً بامكانية الفوتوغرافيا في تجسيد غير الموجود، بينما يمكن في الصور بتبديل الواقع أو نقله الى سياق آخر رمزي. اسعى الى التقاط ذاك الوهم المتجسد في الوجه البشري في عليائه. كل فرد يخوض معركته غير المتوازنة، القاسية المتطرفة، البطولية والملحمية غالباً، والمأساوية دائماً. وربما يفقد حياته، ذلك طبيعي وجزء من اللعبة، حينها تكتمل المواجهة ولا يبقى سوى ومضة في شريط الحياة، لا يعود مصارع ثيران ولا جندياً ولا بحاراً، بل رجلاً كالآخرين. هذا ما أريد التعبير عنه".




















