المستقبل –
كيفما تطلعنا حولنا نرى شروراً كثيرة مثل الفقر والحروب والكوارث الطبيعية، وكذلك الأمراض والجهل وطغيان الظلم والعدوان. حتى اذا نظرنا وجدنا التاريخ حافلاً بشتى أنواع الآلام والعذابات التي نغصّت على البشر حياتهم. فهل مكتوب على البشرية العجز أو الاستسلام أم في وسعها مقاومة الشر واستئصال شأفتة؟ أم ان كل ما تستطيعه هو التعايش معه والتخفيف من حدته لكي تستمر الحياة؟ ولماذا الشر؟ وما هي الحكمة من وجوده في هذا العالم؟ هل هو سابق في وجوده على وجود الانسان أم انه موجود بسببه؟ هل يساق اليه الانسان سوقاً ام انه حر في الامتناع عنه؟ وإذا لم يكن من صنع الانسان فمن هو المسؤول عنه؟
هذه الأسئلة الاشكالية المربكة واجهت الفلسفة والأديان على السواء وطُرحت على نطاق واسع في الفكر الفلسفي قديماً وحديثاً، وقد استحوذت بشكل خاص على اهتمام المفكر الفرنسي بول ريكور حيث تردد صداها في كل مؤلفاته ولم تغب عن معظمها.
فريكور عاش مرحلة مهمة من تاريخ البشرية، وشهد حربين عالميتين أوقعتا الضحايا والمآسي، ما سبب له صدمة كبيرة. أضف الى ذلك احداث بودابست والجزائر وفييتنام والصراع العربي الاسرائيلي، دون ان ننسى معاناته الشخصية بفقد أعزائه وانتحار ابنه. ما جعله ينكب على قراءة مؤلفات الفلاسفة الذين سبقوه والتحاور معهم في اشكالية الشر.
تناول عدنان نجيب الدين في كتابه "مسألة الشر في فلسفة بول ريكور" آراء بعض الفلاسفة الذين تحاور معهم ريكور بدءاً من افلاطون الذي رأى ان السعادة تكون بسيطرة القوة العاقلة في الانسان على القوتين الشهوانية والغضبية، ثم ارسطو الذي رأى ان السعادة لا تكون الا بالفضيلة التي هي وسط بين طرفين، وفي العيش طبقاً للعقل، وانتهاء بالفلاسفة المحدثين حيث حدّد ديكارت وسبينوزا الخير في مغالبة الانسان لأهوائه وحسن استخدامها، وذهب ليبنر الى ان الله خلق العالم على افضل صورة ممكنة، وان الشر قد يكون شرطاً لخير اعظم، فلا يمكن ان يكون الله مصدراً للشر، وركّز كانط على أن العمل الخيّر في الارادة الخيرة التي هي العمل بمقتضى الواجب الذي يأمر بالنظر الى الانسان كفاية وليس كوسيلة.
تطرق ريكور الى ماهية الشر وجذره الأنطولوجي، فرأى ان امكانية الشر منقوشة في البنية الداخلية للواقع الانساني، وأن امكان الخطأ امر محتم بالنسبة الى الانسان لا خيار له في التخلص منه،لأنه كائن محدود وغير متناسب مع نفسه وخاضع لقطبي الارادي واللاارادي. هذه حقيقة تكوينية تشكل في نظر ريكور ميزة انطولوجية طبعت اصل الوجود الانساني، فالانسان يشهد تناقضاً وجودياً في كونه يشكل وسطاً بين قطبين: هو من جهة متناه في قدرته على فعل ما يريد، وهو من جهة اخرى غير متناه في قدرته الفكرية ورغباته. هذا اللاتناسب، وهذه الهشاشة الأصلية والتكوينية، هما اساس وقوع الانسان في الخطأ، وهما اللذان يجعلان امكانية الشر مسألة محققة بالنسبة اليه، بل منهما ينبثق الشر في العالم.
في بحثه عن اصل الشر توسل ريكور الأسطورة من خلال سرد قصة السقوط الأولى في التوراة، فألغى الجواب: "كل عذاب هو مستحق لأنه عقاب على خطيئة فردية أو جماعية معروفة أو غير معروفة".
وبالانفتاح على العلوم الانسانية عمد ريكور الى تأويل الرموز والأساطير، محاولاً نقد النص على ضوء المناهج الحديثة التي شارك في بلورتها، ولا سيما التأويلية والنقد التاريخي والأنتروبولوجي، وقد جهد لإقامة حوار بين المختلفات لإيجاد مساحة مشتركة للكائن الذي قسمته الثقافات المختلفة.
وفي خضم الصراع بين الانجيل والعالم الحديث ناضل ريكور من أجل تفسير يعيد الى النص كل غناه، وعمل على ان تكون رسالته الفلسفية توحيدية والتقائية مع باقي التيارات الدينية والفلسفية، فدعا الى التعددية والابقاء على لغة الحوار حتى مع الخصم، وكانت له دراسات في العطاء وروح العفو، وكل ذلك يصب في خانة العمل الحثيث لإقامة عالم خال من شرور العنف والظلم. ففي نظر ريكور "كل فعل اخلاقي او سياسي يقلل كمية العنف الممارس بواسطة البشر بعضهم ضد بعض ينقص معدلات الألم في العالم ويسهم في الحد من الشر".
على صعيد المنهج طور ريكور التأويلية مستفيداً ممن سبقوه أو عاصروه، وقد قامت في عالمنا العربي مشاريع نقد تاريخية كبرى لتراثنا الإسلامي، تأثر بتأويلية ريكور وتركيزه على استقلالية المعنى في النص وتعدد مستوياته، ومن بين هؤلاء محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وغيرهما ممن أولوا اهمية للمنهج التأويلي الذي يستنطق النص على ضوء ما وصلت اليه علوم العصر، بحيث تقوم بيننا وبين تراثنا علاقة جدلية. فالتأويلية يمكن ان تشكل دافعة يتم بواسطتها انتشال تراثنا من ركام التاريخ، لتصبح العلاقة بين الذات والهوية علاقة جدلية.
هكذا يغدو فهم الذات مشروطاً بفهم الآخر، كما يصبح النيل من الآخر نيلاً من الذات، والعنف ضد الآخر عنفاً ضد الذات، وعندئذ يحجّم الشر ويقلّص الى الحدود الدنيا.
ختاماً نرى ان الكتاب يعاني من بعض الهنات ان لجهة اللغة التي تفتقد أحياناً كثيرة روحها العربية ويطغى عليها طابع الترجمة الحرفية، او لجهة التكرار والاستعادة أو من حيث الالتباس في المنهج، فضلاً عن غياب السجال النقدي مع افكار ريكور ومراميه البعيدة وكيفية تواصلها مع الفكر العربي وتفاعلها معه، الا انه على الرغم من كل ذلك يبقى ثمة نافذة فتحها المؤلف من خلاله، على جانب حي وأساسي من الفكر الغربي يمكن ان يفيد منه الفكر الفلسفي العربي الذي هو في امس الحاجة الى تفاعل واسع وايجابي مع العقل الحداثي ومقولاته النقدية.




















