المستقبل –
المحطات المصيرية في تارخ الدولة حدثت على خلفية عدم الاتفاق بين إسرائيل وبين حليفتها الأساسية الوحيدة، الولايات المتحدة. فالواقع يُثبت أن الاتفاق مع الولايات المتحدة إزاء حل النزاع العربي ـ الإسرائيلي، ليس شرطا ضروريا أو حصريا لتقدم السلام وتعميق التعاون بين القدس وواشنطن. لذلك، فإن اختبار لقاء القمة بين زعماء إسرائيل والولايات المتحدة لا يكمن في توسيع الاتفاق، بل في تحسين وتطوير الأمن القومي.
على إسرائيل أن تتطلع لتوسيع الاتفاق مع الولايات المتحدة لكن ليس باي ثمن. وبالطبع ليس بثمن استقلالية قرارها العسكري والسياسي ـ أو بثمن السيطرة على الضفة الغربية ـ الحيوية للأمن القومي الإسرائيلي.
إن تفضيل الأمن على الاتفاق مع الإدارة الأميركية، حتى لو كان الثمن مؤلما، هو الذي أدى إلى إقامة الدولة سنة 1948. " عندما يكون علي أن اختار بين الاتفاق والتعاون مع الولايات المتحدة من جهة وبين الاستقلال والأمن، أنا اختار الاستقلال والأمن… حتى لو جلب هذا الأمر عقوبات قاسية على إسرائيل"، هذا ما أعلنه بن غوريون عندما رفض الإنذار الذي وُجه إليه من قبل وزارة الخارجية الأميركية، البنتاغون وال سي آي إيه للامتناع عن إعلان الاستقلال والموافقة على اقتراح الأمم المتحدة.
الإنذار تضمن حصارا عسكريا أميركيا وتهديدا بفرض عقوبات اقتصادية. بن غوريون أدرك أن الأمن القومي واستقلالية القرار، وليس الاتفاق مع الولايات المتحدة، هما قيمة استراتيجية عليا. كما أنه عرف بأن الاتفاق مع الولايات المتحدة مؤقت، غير ملزم ( بحسب الدستور الأميركي) وخاضع للتفسير الأميركي، فيما الأمن القومي يشكل ذخرا ثابتا خاضع لسيطرة إسرائيل. بن غوريون حوّل الدولة اليهودية من "بقية" تستحق العطف إلى حليف استراتيجي محتمل للولايات المتحدة.
بدوره، أبصر اتفاق السلام مع مصر النور في العام 1979 على خلفية التصادم بين التطلع لتنمية الاتفاق مع الولايات المتحدة وبين ضرورة تحصين الأمن القومي وتقدم السلام. فرئيس الحكومة بيغن أصر على مفاوضات مباشرة مع الرئيس المصري أنور السادات، مع تقليص وزن الموضوع الفلسطيني، خلافاً لسياسة الرئيس كارتر ومستشاره للأمن القومي، برجنسكي، اللذين تمسكا بعقد مؤتمر دولي وإبراز الموضوع الفلسطيني.
لكن تصميم بيغن والسادات على عدم جعل عملية السلام رهينة في يد الموضوع الفلسطيني والأنظمة العربية الراديكالية، فرض على كارتر وبرجنسكي التخلي عن سياستهما والقفز إلى قطار السلام.
ثمة مثال آخر يمكن رؤيته قي الانتفاضة الأولى ( 1987ـ1992) التي صعّدت الخلافات بين إسرائيل وبين الولايات المتحدة ووصلت بها إلى مستويات قياسية جديدة، ولا سيما على خلفية قرار الولايات المتحدة الشروع في مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية.
فالرئيس جورج بوش ( الأب) ووزير خارجيته جيمس بيكر، استغلا كل منصة ممكنة للتعبير عن رأيهم بأن رئيس الحكومة اسحاق شامير، يشكل عائقا أمام السلام وضيفا غير مرحب به في واشنطن. لكن الأحداث الإقليمية والدولية وقدرة الصمود لدى شامير مقابل الضغوط من الداخل والخارج، أدت إلى تحسن لا سابق له على صعيد التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة : رفع مكانة إسرائيل إلى ـ(Major Non NATO Ally), ضمها إلى " حرب النجوم" وتمويل الجزء الأكبر من مشروع صاروخ " حيتس" ( لمحاربة الصواريخ البالستيه)، توسيع نطاق المناورات العسكرية المشتركة، زيادة كميات العتاد والذخيرة الأميركية المخزنة في إسرائيل، تطوير ميناء حيفا البحري لمصلحة الاسطول السادس، فتح عطاءات البنتاغون في اوروبا أمام الصناعات الأمنية الإسرائيلية، تقديم مساعدات طارئة وتوفير منظومات سلاح في أعقاب حرب الخليج سنة 1991، وغيرها.
الإدارة الأميركية لم تتحمس لمطلب شامير سنة 1990 بإغلاق أبواب الولايات المتحدة أمام اللاجئين اليهود من الاتحاد السوفياتي، والطلب منها نقل اليهود جوا مباشرة إلى إسرائيل فقط. وفي العامين 1967 و 1981 حذّر الرئيسان جونسون وريغن إسرائيل من مغبة القيام بعملية أحادية الجانب لقطع حزام الخناق المصريـ السوري ـ الأردني ومنع امتلاك العراق للسلاح النووي. لكن رئيسي الحكومة أشكول وبيغن تحديا الإدارة الأميركية، فبادرا إلى " حرب الستة أيام" وقصف المفاعل النووي العراقي، وبذلك دفعا قدما وبشكل دراماتيكي الأمن القومي الإسرائيلي والأميركي. فهما اعتبرا أن الأمن القومي واستقلالية العمل من قبل إسرائيل، وليس التوافق مع الولايات المتحدة، يشكلان قيمة عليا. هل أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيسير في طريقهما ولن يقع في إغراء تحويل الاتفاق مع الولايات المتحدة إلى قيمة عليا؟
("يديعوت أحرونوت" 29/5/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















