من جديد تعود نغمة «الدور الوسيط»، في الملف الفلسطيني، إلى الخطاب الأميركي. حملة واسعة، يشارك فيها أنصار ومفاتيح إسرائيل في واشنطن؛ تطالب إدارة الرئيس أوباما، بحصر حركتها في إطار الوساطة فقط؛ لتقريب وجهات النظر والمواقف بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. مع أن الإدارة لم تذهب، حتى الآن، إلى أبعد من إعلان موقف يشدد على «حلّ الدولتين» ووقف بناء المستوطنات. إلاّ أن مجرد إصرارها على ذلك أزعج إسرائيل.
فهذه لا تطيق البحث في الملف الفلسطيني من هذا المدخل. حتى ولو كان بصورة مفتوحة وغير محدّدة، كما تطرحه الإدارة. لتقييد هذه الأخيرة وقطع الطريق على أي مقاربة فعّالة يمكن أن تعتمدها، تحركت الجوقة الضاغطة؛ بتنسيق بين حكومة نتنياهو واللوبي الإسرائيلي والكونغرس، فضلاً عن أوساط إعلامية نافذة.
الحكومة قامت بالشق الخاص بها. أعلنت وكررت رفضها لوقف التوسع الاستيطاني وبشيء من التحدّي للإدارة. ناهيك عن رفضها لمفاوضات لقيام دولة فلسطينية. فريقها، المتعدد الرؤوس في واشنطن؛ تكفّل بالعمل على تنفيس إلحاح الإدارة وإحباط أي محاولات قد تكون في وارد القيام بها، لترجمة مطالبتها؛ بخصوص الدولة ووقف الاستيطان.
اللوبي الإسرائيلي، ايباك، عمل على تحريك الكونغرس، في هذا الاتجاه. 76 من أعضاء مجلس الشيوخ و329 من مجلس النواب ؟ من أصل 535 مجموع المجلسين ـ رفع كلّ منهم رسالة إلى الرئيس؛ يطالبون فيها بترك مهمة التفاوض «في شأن تفاصيل أي اتفاق» للطرفين؛ مع ضرورة العمل «عن قرب مع حليفتنا الديمقراطية إسرائيل».
كما أوصت بأن «تكون واشنطن وسيطاً موثوقاً به وصديقاً وفياً لإسرائيل». وأيضاً دعت الرسالة إلى ضرورة حمل الدول العربية على التطبيع مع إسرائيل. رافقت ذلك، كتابات صحافية شدّدت على أهمية بناء السلام «من تحت»؛ وليس بقرارات من فوق. دعوة واضحة إلى وجوب ابتعاد البيت الأبيض عن التدخل المباشر. أي بقاء دوره في حدود الوساطة.
ويبدو أنه كان للحملة صداها في أوساط الإدارة. تقارير نسبت إلى مصادر عليمة، بأن الإدارة تعتزم التحرك «كوسيط» محايد ونزيه للسلام(!) كل ذلك تزامن مع لقاء الرئيس الفلسطيني مع الرئيس أوباما، في البيت الأبيض، أمس الأول.
تحريك كل هذه القوى والجهات النافذة في واشنطن يؤشر، في أحد جوانبه، إلى أن البيت الأبيض، وخاصة هذا الرئيس المستند إلى رصيد قوي، قادر لو نوى على ليّ ذراع نتنياهو. معزوفة «الدور الوسيط»، مراميها مفضوحة من زمان. والعودة إليها، ليست سوى تفريغ للدور الوحيد المعروف والمطلوب من واشنطن. كل ما عداه وهم.




















