برزت مؤشرات ايجابية في اقتصادات أربعة بلدان يوازي انتاجها نصف مجمل الانتاج في العالم، وهذه البلدان هي الولايات المتحدة والصين واليابان والمانيا. يضاف الى ذلك استمرار النشاط على وتيرة واعدة في البرازيل التي باتت تحتل موقعاً مهماً في الكثير من مجالات الانتاج.
وقد تحسّنت اسعار الاسهم في البلدان الاربعة الاولى خلال الاشهر الثلاثة المنصرمة بنسب تقرب من معدل 20 في المئة. اما في البرازيل، فكان التحسن على مستوى 50 في المئة.
في المقابل، انخفض سعر صرف الدولار ازاء الاورو والين خلال ثلاثة أشهر بنسبة 10 في المئة، ما يعني ان قدرة الاميركيين على التصدير ستتحسن وأن انفتاحهم على الاستيراد سيتقلص. وكان من الطبيعي، مع اقتراب فصل الصيف وتاليا زيادة الطلب على البنزين، لكثافة استعمال السيارات في العطل الصيفية وانخفاض سعر صرف الدولار، ان ترتفع اسعار النفط بقوة. ذلك ان سعر برميل النفط في آذار المنصرم كان 34 دولارا واليوم صار على مستوى 62 دولارا.
والارجح أن أسعار النفط ستبقى أعلى من 60 دولارا البرميل خلال هذه السنة، وهذا الامر بالغ الاهمية بالنسبة الى الدول النفطية والى روسيا أيضاً. ذلك ان سعر برميل النفط على مستوى 60 دولارا او يزيد يمكّن الدول العربية من تغطية برامج الانفاق الاستثماري والتطويري دونما حاجة الى الاستعانة بمدخرات السنوات السابقة. والمعلوم ان بلداناً مثل الكويت وأبو ظبي ودبي واجهت خسائر ملحوظة بسبب بعض استثمارات صناديقها السيادية في الاسواق الغربية، الا أن تحسّن اسعار الاسهم في الأشهر الثلاثة الاخيرة ساهم بالطبع في تخفيف حدة هذه الخسائر.
ان بشائر التحسّن في الاداء الاقتصادي العالمي كانت في الواقع نتيجة قرارات مؤتمر الدول العشرين الكبرى الذي انعقد اوائل نيسان المنصرم، وقد اكد في حينه ممثلو هذه الدول نيتهم تنفيذ البرامج التحفيزية، والتنسيق في ما بينهم، والعمل في المستقبل على تطوير المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. و يفترض ان يشمل هذا التطوير موارد المؤسستين، وحقوق التصويت، وسرعة القرارات والمبادرات. هذه التوجهات جميعها افترضت دوراً مقلصاً للدولار في اطار نظام النقد الدولي، انما من دون ايضاح طريقة تحقيق هذه النتيجة، أي تقليص دور الدولار.
اليوم يعود موضوع الدولار الى الواجهة مع انخفاض سعر صرفه بنسبة 10 في المئة خلال ثلاثة اشهر، وارتفاع سعر النفط الخام المحدد بالدولار بنسبة 60 الى 70 في المئة في الوقت ذاته.
ان الازمة المالية والاقتصادية الدولية نتجت بصورة رئيسية من تسهيل عمليات الائتمان في الولايات المتحدة، وخفض معدلات الفائدة، وتوسيع العجز في الموازنة لتمويل حربي العراق وأفغانستان، اضافة الى تهرب مديري الشركات الكبرى من التزام قواعد الادارة الحكيمة، وازدياد وتيرة الطمع في الربح السريع، وتقاعس هيئات الرقابة عن القيام بأعمالها، وافراط الاميركيين في زيادة اعتماد المعاملات التجارية والمالية الدولية على الدولار.
لكن دور الدولار لا يزال محوريا عالميا على رغم كل التصريحات الرسمية والمهنية عن ضرورة تطوير نظام عالمي جديد فيه دور واضح للعملة الصينية والعملة اليابانية، اضافة الى عملات الخليج العربي والاورو، وربما الذهب. وبما ان التمنيات لا تعني تحقيق النتائج بالضرورة، علينا ان ننظر في اسباب انخفاض سعر صرف الدولار، وما اذا كانت هذه الاسباب تنذر بانتكاسة في المستقبل.
لقد عجّلت السلطات الاميركية في برامج الانفاق التحفيزي أكثر مما فعلت البلدان الاوروبية. وفي المقابل، ركّزت الصين، ثالث اكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة واليابان، على زيادة الطلب الداخلي في محاولاتها للإنعاش، وتاليا ساهمت في تأمين توازن دولي افضل بين حجم التصدير والاستيراد. وفي الوقت ذاته، استمرت الصين، على رغم اعلان حذرها من الدولار في قمة لندن وقبل ذلك في المنتدى الاقتصادي الدولي في دافوس، في شراء سندات الخزينة الاميركية بكثافة.
ولكن، على رغم استمرار التوظيف في سندات الخزينة الاميركية وتحسّن أسعار الاسهم، وتوافر مؤشرات لكون الفترة الاسوأ للأزمة الدولية قد انقضت، يطرح ضعف سعر صرف الدولار من جديد اسئلة حيوية عما اذا كانت الازمة قد انطوت بعد الخسائر الهائلة التي لحقت بالاقتصاد العالمي بسبب الاستهلاك الاميركي الممول بالعجز، أم ان ملامح ازمة مقبلة بدأت تظهر وتنذر بتبخر التطورات الايجابية بين ليلة وضحاها؟
وهناك ملامح ازمة مقبلة تبدو واضحة في افق الاقتصاد الاميركي ونظامه التسليفي، وتعود هذه الازمة الى حسابات بطاقات الاعتماد المصرفية.
يستعمل الأميركيون بطاقات الاعتماد المصرفية أكثر من أي شعب آخر، ويستعملونها بنسبة 70 في المئة من الانفاق الاستهلاكي. ولما كان الانفاق الاستهلاكي السنوي في الولايات المتحدة يراوح بين تسعة و 10 تريليونات دولار، فان هذه البطاقات تستعمل في انفاق 6,3 او 7 تريليوناًت. ومعلوم ان المصارف الاميركية كانت تشجع المستهلكين على تمديد فترات تسديد حساباتهم بعد انقضاء الشهر الاول على استعمال البطاقة، مع ان المفترض هو تسديد رصيد حساب الزبون خلال شهر واحد. وكان التمديد على اساس اعتماد فائدة سنوية بمعدل 18 في المئة، مما يحمّل المستهلك صاحب البطاقة اعباء كبيرة، ولكنه يساهم في ازدياد ارباح المصارف.
وقد اصدر الرئيس باراك أوباما توصية بتشريع يحد من فترة السماح بتأخير تسديد حسابات بطاقات الائتمان، كما يفرض معدلاً للفائدة على الحسابات المترصدة أقل بكثير من 18 في المئة. والأخذ بهذه التوصية سيخفّض ارباح المصارف، وستتقلص ميزانيات المصارف على مستوى التسليفات بنسبة 40 الى 50 في المئة.
بكلام آخر، هناك ازمة مستترة تتعلق بحسابات بطاقات الائتمان، وطريقة تسديدها. ذلك ان الازمة المالية العالمية دفعت الاميركيين الى تأخير تسديد حسابات بطاقات الائتمان فترة ثلاثة أشهر على الاقل. وهذا يعني، من تقدير حجم الانفاق الاستهلاكي بواسطة البطاقات، ان هناك 1,8 تريليون دولار بمثابة قروض مشكوك في تحصيلها يجب ان يحتاط لها. وثمة خبراء أميركيون يعتبرون ان الديون المشكوك في تحصيلها والمتعلقة بالإنفاق بواسطة البطاقات الائتمانية تقرب من 2,5 الى ثلاثة تريليونات دولار، وهذه ارقام ضخمة تفسر الى حد ما التخوف على مستقبل سعر صرف الدولار وانخفاض سعره خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة.
ولا شك في ان السلطات الاميركية بادرت الى اتخاذ خطوات وقائية في هذا المجال، من ابرزها الاقتراحات الاشتراعية التي وفرها الرئيس أوباما. وهذه القضية يمكن حلحلتها انما تدريجياً وعلى مدى سنتين على الاقل ينتظر ان يبقى الدولار خلالهما ضعيفاً ما لم تبرز معالم تضخمية في الولايات المتحدة تؤدي الى رفع اسعار الفائدة، وتاليا اعادة الحياة الى سعر صرف الدولار.
"النهار"




















