من المضحك أن تتسابق أميركا وإيران على تسليح لبنان، الأولى من خلال الموالاة، أو المحسوبين على التيار الغربي الإمبريالي، والأخرى من خلال تيار المقاومة وهزيمة عناصر الشر الإسرائيلية والأميركية، وكأن لبنان يعيد سيرة مداراته في الخمسينيات والستينيات عندما كان في قلب العواصف يؤوي المطرودين من الانقلابيين والكُتَّاب من مختلف الواجهات اليمينية واليسارية، وبؤرة التقاء صراعات الشرق مع الغرب بالتجس.
وإعداد الانقلابات، ومن خلال هذه السوق ازدهر الاقتصاد والنشر والسياحة، لكن جاء الثمن قاسياً ومريراً عندما انفجرت الحرب الأهلية، وكانت ذيولها بدأت مع الانفلات الأمني، واعتقاد كل رئيس طائفة أنه النموذج المثالي لقيادة لبنان وفق صيغة خاصة تجبر الأطراف الأخرى على التراجع أو الانضواء تحت الطائفة الحاكمة..
قطعاً مسألة التسلح لأي بلد تهدده ظروف مختلفة، حق طبيعي، إلا أن الحالة اللبنانية مختلفة تماماً، فحزب الله هو القوة المطلقة حتى بوجود الجيش، وعملية أن يرافق فوزَه بالأكثرية البرلمانية تقديمُ إيران منحة الأسلحة مجاناً، كبديل عن المنحة الأميركية، فإن ذلك يجعله مركز الحروب بالنيابة، إذ بدلاً من التهدئة وجعل التعايش هدفاً ، وضخ أموال التسلح في البنية الأساسية، نجد مثل هذا السباق يتجه للتأزيم، لا للتهدئة، ولعل تفرد قوة على أخرى، والذهاب إلى مراكز احتواء دولية أو إقليمية سيفجر المواقف ويعيد لبنان إلى نقطة الصفر، وهو الذي لم يداوِ جراح التدمير من الحرب الأهلية أو الاعتداء الإسرائيلي الذي دمر كل ما بُني خلال سنوات ما بعد اتفاق الطائف..
ثم نأتي إلى المسافة التقنية بين ما سوف تعطيه أميركا، وما تقدمه إيران، فالأولى دولة السلاح وتقنياته العالية في العالم كله، والأخرى تجتهد لأن تحصل على معادلة معقولة مع محيطها، وتتقدم بعض دول العالم الثالث، وحتى مع الشح الأمريكي وانتقائه لما لا يغير المعادلة مع قوة إسرائيل، إلا أنه أمريكا ترى أن لبنان هو جزء مهم في أمن المنطقة وإسرائيل تحديداً، وبالتالي سترفض أي إخلال بهذا التوازن، إن لم تقاتل من أجله..
اللبناني كما أنه أنجح تاجر وعامل في المراكز الوظيفية المرموقة، فهو متحدث ممتاز على شاشات محطات الفضاء، وأعمدة الصحف، والمنابر، وعلى قدر كبير من الإقناع في مختلف الاختصاصات، لكن هذا النجاح غالباً ما يجيّر لمصلحة طائفية أو شخصية، وفي غياب النموذج الوطني، صار ميداناً للصراعات السياسية، وربما العسكرية..
وإسرائيل ليست غافلة عما يجري، فهي تراقب كل شيء ولها رؤية بما يحدث، وطالما كل حدودها ساكنة وآمنة، إلا مع لبنان، فخياراتها لا تأتي دائماً لصالحه، طالما لديها قوائم بما تريد وما تخطط له، ولعل البديل الموضوعي اتفاق دولي يراعي ظروف الداخل بتحييد لبنان وجعله واحة سلام وتعايش، وإلا فالبديل الآخر جبهات متحاربة أطرافها إسرائيل وأمريكا من جهة، وحزب الله وإيران من جهة أخرى وسيصبح الموالي والمعارض أسيريْ هذه القوى، والمؤشرات تنذر بأن الاتجاه للتصعيد ، واعتبار الانتخابات اختبار قوة بين الفرقاء، قد يعطيان المبررات لعودة ساخنة، وهذه المرة ستصبح القوى الخارجية لاعباً أساسياً، ربما يكون الماضي للحروب التي جرت على أرضه أرحم من القادم المجهول..
الرياض




















