خرجت المواقف الانتخابية عن سياقها المنطقي وخرقت سقف اللياقة السياسية والآداب الوطنية ولامست الاستخفاف بالدستور.
من عيّنات (برج بابل) الانتخابي إعلان أحد سياسيي 8 آذار انه حتى لو فازت قوى 14 آذار بالأكثرية النيابية (فاننا لن نقبل بالنائب سعد الحريري رئيساً للحكومة).
لقد فات هذا المتلفّظ بهذه الهرطقة الاعتبارات التالية:
ليس في الدستور اللبناني لفظة واحدة عن (قبول) او عدم (قبول) رئيسٍ للحكومة بل هناك استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس الحكومة، واذا حملت هذه الاستشارات اسم النائب سعد الحريري فهو الذي سيشكل الحكومة، تماماً اذا حملت الاستشارات اسم غيره فان هذا الغير هو الذي سيُشكّل الحكومة.
هذا هو الدستور، ومَن لا تُعجبه بنوده فليُناضل، من داخل الدستور لتعديله ليُصبح ملائماً له، أما اذا لم يستطِع فان أي آلية اخرى لفرض (القبول) او عدم (القبول) هي آلية انقلابية، والانقلابات في لبنان لا تنجح، وتاريخه القريب والبعيد يُثبت ذلك.
لم يَقُل لنا صاحب الهرطقة كيف سيمنَع النائب الحريري من تشكيل الحكومة اذا سمّته الأكثرية? حبذا لو يقول ليتمكّن الشعب اللبناني من أخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة ما ينتظره من (مغامرات).
عيّنة ثانية من عيّنات الخروج عن المنطق أدلى بها العماد عون الذي تحدّث عن (الجلاّد الذي استطاع جمع كل ضحاياه في لائحة واحدة.)
هذا الكلام استدعى تعليقاً من أحد أقطاب قوى 14 آذار، فسأل باستغراب: وهل لائحة المتن الشمالي شكّلها الدكتور سمير جعجع؟أليست هي اللائحة التي شُكّلت بتوافق الرئيس الجميل والنائب المر وبذل فيها الدكتور جعجع جهداً كبيراً لادخال مرشح واحد فيها هو ادي ابي اللمع؟
ويستطرد القيادي في 14 آذار فيقول: ماذا تكون عليه ردة فعل العماد عون اذا قيل عنه انه (الضحية التي جمعت جلاديها في لائحة واحدة)? ان نظرةً الى بعض حلفائه في اللوائح تُظهر انهم ممن كانوا (جلاديه) في مراحل سابقة، فكيف يقبل بهم؟وهل هناك أبناء ست وأبناء جارية في الجلادين؟
لا تستأهل الانتخابات النيابية كل هذا الشحن وكل هذا الشحذ، فلبنان محكوم بالتوافق أياً تكن نتائج هذه الانتخابات، فالأكثرية تصل الى الحكم لكنها لا تستطيع أن تحكم وحدها والأقلية لا تستطيع أن تحكم لكن لا أحد قادر على ابقائها خارج المشاركة.
ان أي تفكير خارج ذلك، مسموح، لكنه غير مجدي ومفعوله قصير اذ ينتهي في السابع من حزيران، أما في الثامن منه فيومٌ آخر بعد أن تكون عاصفة الانتخابات قد انحسرت وجنون المواقف عاد الى رشده.
ويبقى السؤال: طالما ان الرشد هو الذي سيسود في نهاية المطاف فلماذا استخدام الانفعال بأقصى طاقته؟
الانوار




















