1/ 2
كان يوم رحيل الدكتور جورج حبش في 18 /2 / 2008 يوماً حزيناً ومؤلماً بالنسبة لي ولكثير من أبناء جيلي , فبغيابه الذي أعقب رحيل الشهيد ياسر عرفات بحوالي 3 سنوات، وفي الظروف المصيرية التي كانت، وما تزال تعيشها، افتقدت الأمة العربية وطليعتها الثورة الفلسطينية آخر القادة الكبار الذين عرفتهم على امتداد نصف القرن الماضي
لقد كان الحكيم بحقّ حكيم الثورة الذي عايش أدواءها وعمل جاهداً على تضميد جراحاتها والحرص الدائم على صيانة وتعزيز وحدة فصائلها, وكنت أرى فيه، شخصياً، أنموذج القائد الإنسان ومثال الثوري الرومنسي الذي كان يجسّد خير تجسيد الخط الثوري في حركة التحرر العربية، سواء في مرحلة صعودها وانتصاراتها على امتداد عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، أم في مرحلة تراجعها وانكفائها التي أعقبت ذلك وما زالت مستمرة حتى اليوم.
كان الحكيم عبر مسيرته الكفاحية خير معبّر عن طموحات وأهداف العملية الثورية القومية في وطننا، وعن سيرورتها منذ نكبة فلسطين وحتى اليوم . أي عن عوامل قوتها وعوامل قصورها الذاتية على صعيد الفكر والوعي كما على صعيد العمل والممارسة في أرض الواقع . وسأحاول في هذه العجالة أن أستعيد من الذاكرة بعض الصفات التي تسم شخصية هذا القائد ، وذلك من خلال عدد من المناسبات التي أتاحت لي الظروف لقاءه، وأن أسلّط الضوء على بعض ما تعرفّت عليه وما لمسته بنفسي من جوانب شخصيته والخصال الحميدة التي كان يتحلّى بها .
1 – التقيت به لأول مرّة مباشرة عام 1974 وبناء على طلبه . في تلك الفترة كانت زيارات الحكيم للجزائر تتكرر دورياً ، إما للاجتماع بالقيادة الجزائرية أو للمشاركة في أعمال دورات المجلس الوطني الفلسطيني . ذهبنا للقائه بفرح غامر في فيلا الضيافة التي كان يقيم فيها، وكنّا ثلاثة من أعضاء قيادة حزبنا آنذاك، وقد اتفقنا فيما بيننا أن يكون أول موضوع نتحدث فيه مع الحكيم هو تقدّيم اعتذارنا الواضح والصريح له عن فترة اعتقاله 1968 في دمشق والتي استمرت لمدة عام تقريباً عندما كان الحزب في السلطة في سورية قبل انقلاب 16 تشرين الثاني 1970 ، تلك الصفحة السوداء التي كانت إحدى الحصائل التي أفرزتها علاقات القوى الوطنية والتقدمية العربية في تلك المرحلة ، يوم أن غلّبت عوامل التناقض والصراع الثانوي وانتهجت سبيل التدمير الذاتي بديلاً لعوامل الوحدة والكفاح المشترك ضد العدو الأساسي . و قد حُرّر الدكتور حبش من سجنه كما أصبح معروفاً بواسطة عملية جريئة ومحكمة أشرف على وضعها وتنفيذها رفيق دربه الدكتور وديع حداد في طريق إعادته إلى السجن بعد مقابلة الحكيم لأفراد أسرته في إحدى الزيارات في مكان آخر على بعد بضعة كيلومترات .
كنا ونحن في طريقنا إلى الحكيم نشعر بشيْ من الإحراج والتهيّب في طرح هذه المسألة، على الرغم من أننا صادقون فعلاً بالقيام يهذا الواجب الأخلاقي والوطني الذي يحتّم علينا تقديم اعتذارنا لهذا القائد الوطني، وممارسة النقد الذاتي إزاء هذه المسألة بصورة لا تحتمل اللجوء إلى أية مبررات غير واقعية ..
استقبلنا الحكيم جورج بترحاب شديد وتبادلنا العناق معه ومع أعضاء الوفد المرافق من قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . بعدها تناوبنا نحن الثلاثة، كلّ وفق أسلوبه، على تقديم اعتذارنا له عن تلك الواقعة المؤسفة، وركزّنا على أهمية وضرورة أن تتجاوز القوى الوطنية والتقدمية العربية أخطاء الماضي وتبدأ صفحة جديدة في علاقاتها مستفيدة من دروس وعِبر الماضي . بعد ذلك تحدّث الحكيم بعفوية وصدق مؤكّداً اتفاقه مع ما طرحناه من ضرورة تجاوز مرارات الماضي وأن تتجنب القوى الوطنية ردود الفعل وألاّ تنجرّ إلى الصراعات الذاتية بديلاً عن المعركة الرئيسية في مواجهة العدو الصهيوني .. وتابع يقول : أؤكّد لكم أن قضية سجني التي تحدثتم عنها لن تترك في نفسي أية أحقاد وأية انعكاسات سلبية يمكن أن تؤثّر على علاقاتنا الآن أو في المستقبل . وأضاف مازحاً : بل إنني وفي هذه المناسبة أكرر الشكر مرة أخرى للرفيق المرحوم عبد الكريم الجندي ( عضو القيادة القطرية لحزب البعث في حينه ومسؤول مكتب الأمن القومي )، باعتباره المكلّف والمسؤول المباشر عن تنفيذ اعتقالي، فقد أتاحت لي فترة السجن فرصة كنت بأمسّ الحاجة إليها لمراجعة العديد من المسائل النظرية والفكرية والتي لم تسمح لي الظروف قبل ذلك من انجاز هذه المهمة ..
أمضينا عدة ساعات في هذا اللقاء حيث تشعّب الحديث وتناول أمهات المسائل المتعلقة بالوضع العربي وبأوضاع الثورة الفلسطينية خاصة، وغادرنا الحكيم ونحن نشعر بعميق الارتياح لأهمية هذا اللقاء الأول الذي طوى صفحة سلبية من سوء الفهم والتعامل بيننا، وأرسى أرضية جديدة لعلاقة رفاقية، وما زلت أتذكّر حتى الآن كلمات الحكيم ونحن نودعه وأعضاء الوفد المرافق: أرجو ألا يساوركم الشك في أننا على استعداد تام لتقديم أية مساعدة ممكنة لكم أنتم وغيركم من القوى الوطنية في سورية، وإذا دعت الضرورة فنحن على استعداد لتقاسم رغيف الخبز بيننا .
تلك كانت انطباعاتنا الأولية الإيجابية عن شخصية هذا القائد الوطني . ونحن نعرف أهمية ورمزية اللقاء الأول في التعارف بين الناس بما يعنيه أو يتركه في العقل والوجدان من نتائج وانعكاسات ..
أتذكر هنا أيضاً ونحن في طريق العودة بعد هذا اللقاء أن أحدنا قال في معرض تعليقه على حديث الحكيم : هل لاحظتم أن الحكيم الذي تميّز حديثه بالصراحة والوضوح من جهة وبالعمق والشمولية من جهة أخرى قد تحاشى استخدام العبارات والجمل الثورية الماركسية والطبقية التي كانت تهيمن على لغة وخطاب معظم القوى اليسارية الأخرى بمناسبة أو بغير مناسبة .. بدافع التميز الشكلي والادعاء بامتلاك الفكر العلمي النقدي ..
تلك إذاً كانت بعض الصفات التي تعرّفت عليها في شخصية الحكيم إثر هذا اللقاء : صفات الصدق والتواضع . الصراحة والوضوح والتمسك بالثوابت المبدئية . صفات التسامح والاعتراف بحق الاختلاف واحترام الرأي الآخر، تلك الصفات التي تعتبر جميعها المقومات الأساسية في الفكر العقلاني الديمقراطي .
تكررت لقاءاتي بعد ذلك بالرفيق الدكتور حبش سواء على النطاق الشخصي أو من خلال العلاقة بين حزبنا والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إذ كنا في خندق كفاحي واحد . ففي فترة السبعينات من القرن الماضي حيث كانت المقاومة وقياداتها تقيم في الساحة اللبنانية، كنا والجبهة الشعبية نؤيّد "جبهة الرفض" التي وقفت في مواجهة مشروعات تصفية القضية الفلسطينية التي طرحت آنذاك، وخاصة بعد اتفاقات كامب دفيد، وعدم جديّة الموقف العربي الرسمي في مواجهة نتائجها . هذا الموقف الذي تمثّل بإنشاء "جبهة الصمود والتصدي" .
لقد سمحت لي اللقاءات مع الحكيم ومتابعة أدبيات حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالتعرف على أهم المحطات التي ميّزت مسيرة هذا القائد الكبير وجعلت منها تاريخاً حيّاً يجسّد أبرز المراحل التي مرّ بها كفاح الشعب الفلسطيني من أجل التحرير والعودة .
ففي سياق هذه المسيرة الطويلة ومنذ البدايات الأولى مع دخول جورج حبش عالم السياسة مارس، ورفاقه، العنف الثوري مطلع الخمسينات من القرن الماضي وهو طالب في الجامعة الأمريكية في بيروت / حيث كانوا مجموعة لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، سواء في إطار جمعية العروة الوثقى أو حركة الفداء ْالعربي / مروراً بتأسيس حركة القوميين العرب هو ورفاقه الأولين ( هاني الهندي – وديع حداد – أحمد الخطيب – صالح شبل – حامد الجبوري..)، وانتشار تنظيماتها في العديد من الأقطار العربية .. إلى سنة 1967 عندما تقرّر إنهاء التنظيم العام لحركة القوميين العرب واعتمد فرعها الرئيس في الساحة الفلسطينية كعمود فقري لتنظيم جديد هو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهذا الفصيل الجديد في الساحة الفلسطينية تميّز عن حركة القوميين العرب التي انبثق عنها بتحقيق نقلة نوعية تختلف في صعيدين : فعلى الصعيد النظري تبنى الماركسية اللينينية، وعلى الصعيد العملي : ممارسة الكفاح المسلح أسلوباً لتحرير فلسطين، وما أعقب ذلك من انشقاقات تعرضت لها الجبهة الأم، (من الجبهة الديمقراطية بقيادة نايف حواتمة، والجبهة الشعبية القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل، وجبهة تحرير فلسطين بقيادة المرحوم الشهيد طلعت يعقوب) .




















