2/2
طوال هذه المسيرة الحافلة بالأحداث والتطورات النوعية التي عاشتها المنطقة العربية وعرفتها الثورة الفلسطينية وممثلها الشرعي منظمة التحرير، ظل القائد حبش على رأس حركة القوميين العرب، ثم على رأس الجبهة الشعبية حتى قبول استقالته عام 2000 في المؤتمر السادس للجبهة ..ولقد ظل الحكيم يمثل ويقود خطاً آخر في مواجهة الخط الرسمي لمنظمة التحرير الذي كان يقوده ويمثله الشهيد ياسر عرفات..
وإنه لأمر في غاية الأهمية توضيح أن تجربة الحكيم الكفاحية التي كان يصفها البعض بالرومانسية الثورية إنما تتجلى أساساً في صلابة المواقف والحفاظ على الثوابت، حيث كان الحكيم دائم الحرص على جعل التكتيك في خدمة الاستراتيجية، وأن ما يقرر انتهاج هذا النوع أو ذاك من أنواع التكتيك دون غيره هو أساساً موازين القوى القائمة في الساحة الفلسطينية، وعلى الصعيدين العربي والعالمي .
من هنا رأى الكثيرون فيه ثورياً مثالياً لا يتقن فن ممارسة السياسة، وأن مواقفه السياسية قد تحُول دون الإمساك بزمام المبادرة والاستفادة من المعطيات المستجدة لمصلحة القضية، الأمر الذي كان على تباين مع سياسات الشهيد عرفات وأسلوبه الذي كان في كثير من المواقف الأساسية ينتهج منطق التكتيك على حساب الاستراتيجية بدعوى أنّ التطورات المستقبلية التي لا يمكن التنبؤ بها في اللحظة الراهنة يمكن أن تخلق معطيات جديدة تبرر ذلك .
وبإيجاز، فلقد كانت الشحنة الإيديولوجية مهيمنة في الخطاب السياسي للحكيم وللجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولعلّ هذه الظاهرة وحتى وقت قريب سمة مشتركة لمعظم فصائل حركة التحرير العربية، وذلك على حساب ضمور المضمون المعرفي في الفكر السياسي العربي الذي يشكل جوهر المنهج العلمي النقدي ..
كانت العلاقة بين الرجلين / الحكيم و أبو عمّار / تتراوح بين مدّ وجزر. بين التوتر تارة والعلاقات الموضوعية الحميمة تارة أخرى، غير أنّها لم تصل حدّ القطيعة إلاّ بعد منتصف التسعينات أي بعد اتفاقات أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية . قبل ذلك كان أبو عمار لا يفتأ يعبّر في كل مناسبة عن تقديره الكامل للحكيم واصفاً إياه بضمير الثورة الفلسطينية، وكان الحكيم بدوره، رغم انتقاده المتكرر لأسلوب عرفات، يحرص دائماً على التأكيد على أنّ أبو عمار أصبح بتاريخه وكوفيته رائداً ورمزاً لنضال الشعب الفلسطيني ..
كما أنّ الحكيم والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي كانت تقاطع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية بين الحين والآخر وتعلن عن عزوفها عن المشاركة في لجنتها التنفيذية احتجاجاً على الخط السياسي المعتمد، رغم معارضة العديد من فصائل العمل الفلسطيني لسياسة الهيمنة والتفرد التي كانت تمارسها حركة فتح على مؤسسات المنظمة، إلاّ أنّ الحكيم والجبهة الشعبية ظلا حريصين على بقاء منظمة التحرير بيت الوحدة الوطنية والعمل على إصلاح مؤسساتها كي تجسد هذه الوحدة بصورة ديمقراطية صحيحة ..
في سياق هذا التباين الواضح بين أسلوب كل من الرجلين أستعيد هنا وقائع بعض ما جرى في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في قصر الصنوبر 1987، والتي جاءت بعد دورة المجلس الوطني في عمان 1984، وكان من نتائجها إقرار ميثاق العمل المشترك بين النظام الأردني وبين منظمة التحرير والذي عارضته كل فصائل المنظمة تقريباً عدا حركة فتح . لذا كانت دورة الجزائر مناسبة لإعادة الوحدة الفلسطينية في إطار المنظمة .
كان الموضوع الرئيس الذي سيطر على المناقشات في دورة الجزائر: العلاقة بين منظمة التحرير والنظام المصري والتي كانت مقطوعة رسمياً منذ توقيع اتفاقيات كامب دفيد . وقد تمحور النقاش أساساً حول وجهتي نظر : الأولى، يتبناها أبو عمار وترى ضرورة إعادة العلاقات بين منظمة التحرير وبين النظام المصري والعمل من خلال هذه العلاقة على أن تعود مصر لممارسة دورها تجاه القضية الفلسطينية متحررة من التزامات كامب دفيد التي تمنعها من ممارسة هذا الدور، بينما كانت وجهة النظر الأخرى، تلك التي يتبناها الحكيم، ترى أنّه لا يجوز الانفراد بهذا الموقف من جانب منظمة التحرير باعتبار أن قرار قطع العلاقات مع النظام المصري قد أتخذ في إطار الجامعة العربية، وبغض النظر عن ذلك – حسب وجهة النظر هذه – لا يجوز مكافأة النظام المصري بل ينبغي استمرار المقاطعة حتى يتحرر أولاً من التزامات كامب دفيد التي عزلته عن مجرى الصراع الصهيوني – العربي وكبّلت دوره إزاء القضية الفلسطينية ..
استمر النقاش الحاد حول هذه المسألة طوال يومين . وأذكر أنّي كنت خارجاً من قاعة اللجنة السياسية التي كان يرأسها الأخ نبيل شعث، وفي الممر ما بين القاعات التقيت الحكيم وكان متجهّماً مهموماً متعباً يستند إلى عكازه، يسألني عن انطباعاتي عن جو النقاش داخل اللجنة السياسية، فيما يتعلق بهذه المسألة . أجبته أني لا أستطيع تقدير ذلك لأني لم أتابع نقاشاتها لأكثرمن 10 دقائق .. وحاولت عامداً حرف الحديث باتجاه آخر وتساءلت عن وضعه الصحي بعد السكتة الدماغية التي أصيب بها قبل سنتين من ذلك التاريخ والشلل الجزئي الذي تركته في أحدى ساقيه، مضيفاً أن حالته تتطلب ألاّ يرهق نفسه أكثر مما يلزم. ولم تمض سوى دقائق معدودات حتى جاء الصديق فيصل الحوراني، الصحفي المعروف ، وكان عضواً في تلك اللجنة السياسية فبادرته بالقول : أنّ الحكيم يسأل عن الجو الذي يسود مناقشة اللجنة بصدد القضية المطروحة، فأجاب الأخ فيصل باعتقاده إن اللجنة السياسية لن تصل إلى مشروع قرار واضح يعرض على الجلسة العامة للمجلس، لأنه علم أن أبو عمّار قد استدعى صباح اليوم نبيل شعث وطلب منه أن يأتي بقرار واضح من اللجنة بإعادة العلاقة مع مصر، وإذا كان ذلك متعذراً فعلى الأقل أن يكون مشروع القرار عاماً، وبطبيعة الحال غير رافض لإعادة العلاقة، وأضاف فيصل يقول : لماذا تسأل يا حكيم عن أجواء اللجنة السياسية ما دام مندوبكم فيها – بسام أبو شريف – يطرح موقفاً غير الذي تطرح في الجلسة العامة للمجلس .. لم يعلق الحكيم على ذلك .
لقد توصل المجلس في ختام أعماله إلى صيغة توفيقية تنصّ : على أنّ قيادة منظمة التحرير ستعمل على إعادة العلاقات مع النظام المصري بصورة تدريجية حسب مواقف النظام في ضرورة تحرره من قيود اتفاقات كامب دفيد .. وفي اليوم التالي غادر عرفات الجزائر متوجهاً إلى أديس أبابا للمشاركة في اجتماعات منظمة الوحدة الأفريقية حيث حطّ في القاهرة في طريقه واجتمع مع الرئيس حسني مبارك يرافقه وفد منظمة التحرير الذي يضم بسام أبو شريف عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية ..
لقد كان الحكيم مناضلاً حقيقياً كرّس حياته من أجل تحرير وطنه فلسطين ومن أجل تحرر ووحدة الأمة العربية ..
لقد كان – كما يجمع الكثيرون – قومياً عربياً في نضاله الوطني الفلسطيني، وفلسطينياً في نضاله القومي، لذلك لم ير الحكيم في صيغة القرار الوطني المستقل إلا حماية لهذا القرار من هيمنة الأنظمة العربية وتدخلها في الشؤون الداخلية للمنظمة وليس فصلاً لنضال الشعب الفلسطيني عن مجموع نضال الأمة، أو وسيلة لتهرّب تلك الأنظمة من مسؤولياتها باعتبار أن تحرير فلسطين هو قضية مركزية بالنسبة للشعوب العربية كلّها .
وكانت قوميته العربية العلمانية المتفتحة جزءاً من العملية الثورية العالمية الهادفة لوضع نهاية للاستغلال والاضطهاد الطبقي والقومي ..
كان على امتداد مسيرته الكفاحية منفتحاً على عملية التطور والتجديد سواء على صعيد الوعي أم الممارسة . فمنذ البدايات الأولى حيث نشأ متشبّعاً بأفكار ساطع الحصري وقسطنطين زريق، فأفكار البعث، والتي كانت جمعية " العروة الوثقى " ساحتها، إلى التجربة الناصرية التي أصبحت حركة" القوميين العرب " مكوّناً رئيساً في تيارها، إلى الماركسية اللينيية في مرحلة تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ..
وبعد ذلك ، ظلّ الحكيم مستوعباً نهجه الفكري والنضالي لم تأخذه حمّى الطفولية اليسارية يوم كانت الظاهرة السائدة في الخطاب السياسي العربي، ولم يذعن للاتفاقات والتسويات التي رأى فيها تفريطاً بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وفي المقدمة حق العودة وحق تقرير المصير .
هناك واحدة من الصفات التي تسجّل له وهي ديمقراطيته الصادقة فهو أول قائد لحركة أو حزب في الساحة العربية يتنازل عن موقفه في الأمانة العامة للجبهة الشعبية بإرادته وإصرار منه . كما أن موقف هذه الجبهة من التعاون مع الفصائل التي انشقّت عنها يعبرّ بلا ريب عن ظاهرة إيجابية وديمقراطية لم تعرفها بقية الأحزاب والحركات التي عاشت مثل تلك الانقسامات ..
هذا القائد كما عرفته عن قرب، و كما لمست من أحاديثه، كان يرتبط بصلة مبدئية وروحية بالعديد من رموز حركة التحرر والثورة في العالم مثل عبد الناصر، وكاسترو، وشي غيفارا . وعلى ذكر فيدل كاسترو فقد كان يكنّ للحكيم تقديراً خاصاً ومميزاً، الأمر الذي كان يترك بعض الحساسية عند بعض قادة وفصائل منظمة التحرير، ولقد أشار الحكيم لذلك في إحدى اللقاءات التي جمعتنا به بعد إحدى زياراته لكوبا، كما كرره في إحدى المقابلات الصحفية المنشورة ، حيث ذكر أن القائد ياسر عرفات قال للسفير الكوبي عندما التقاه في احد المؤتمرات : أرجو أن تلفت نظر الرفيق كاسترو أنّ للثورة الفلسطينية ممثلاً واحداً . ولقد تألّم الحكيم لسماع ذلك ودهش كيف تصل الأمور إلى هذا الحدّ .
هل كان الحكيم راض ٍ عن الأوضاع المتعلقة بفلسطين وبالأمة العربية ؟ . لقد أجاب الحكيم بنفسه على هذا السؤال في المقابلة المطولة التي أجراها معه الكاتب محمود سويد، رئيس مكتب الدراسات الفلسطينية، والتي ضمّها كتاب يحمل عنوان " جورج حبش يتحدّث "، حيث قال الحكيم : إنّ جيلنا قد عمل بصدق وقدم تضحيات كبيرة في سبيل تحقيق الأهداف الأساسية للأمة في التحرر والتقدم والوحدة . لقد حققنا بعض الإنجازات وفشلنا في تحقيق غيرها . أصبنا وأخطأنا، ومن حيث النتيجة أخفقنا في تحقيق أهداف المشروع النهضوي للأمة..
كان الحكيم في نهاية مسيرته الكفاحية يؤكّد على طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني كصراع حضاري يشمل كافة جوانب المجتمع : الثقافية والعلمية والعسكرية والاقتصادية، كما ويؤكّد على مركزية المسألة الديمقراطية في حياة شعوبنا العربية..
وحول أهم درس استخلصه من تجربته النضالية الطويلة، فقد لخّص الحكيم ذلك الدرس بقوله : لقد عملنا بقلوبنا وحماستنا كثيراً لكننا لم نعمل بوعينا وعقلنا إلا القليل، وذلك في إشارة واضحة إلى أهمية التسلح بالوعي الصحيح من قبل النخب السياسية والفكرية . ولعل هذا الإدراك هو الذي دفعه إلى تكريس ما تبقى له من العمر لإنشاء مركز للدراسات والأبحاث الفلسطينية ..
لقد زرت الأردن في أيلول / سبتمبر 2001/ قادماً من الولايات المتحدة حيث أقيم حالياً، وكان هدفي من تلك الزيارة لقاء الرفاق والأصدقاء القدامى، كما كنت أمنّي النفس أن أحظى أثناء هذه الزيارة بلقاء الحكيم حيث كنت أعلم أنه يأتي إلى عمّان بين الحين والآخر لزيارة كريمته ميساء، وإجراء الفحوص الطبية اللازمة . لقد اتصلت برفيق دربه الأستاذ هاني الهندي وسألته عن أخبار الحكيم فأجابني أنه كان هناك قبل أسبوعين، وأنّ زياراته إلى عمّان قد قلّت عن ذي قبل نظراً لمتاعبه الصحيّة المتفاقمة . لقد أعطاني رقم هاتفه واتصلت به في دمشق للاطمئنان عن صحته، ولمست من صوته وحديثه نفس العزم والتصميم الذي تميّز به على الدوام، كما لو أنّ متاعبه الصحية التي أنهكت جسده لم تؤثّر في روحه ومعنوياته . عبّرت له عن أملي بأن تسمح الظروف لنا باللقاء كما رجوته قبول عضويتي في " مركز دراسات الغد " الذي يشرف عليه .
رحل الحكيم وأغمض عينيه قبل أن تتكحل برؤية وطنه المغتصب ودون أن تضمّه ثرى اللدّ أو القدس .
رحل هذا القائد الثوري، والقضية الفلسطينية تواجه أخطاراً لم تشهدها من قبل، في مقدمتها الانقسام الوطني المدمر، والنظام العربي الرسمي العاجز والمتواطئ .
رحل حكيم الثورة تاركاً وراءه مسيرة كفاحية حافلة بالدروس والعبر التي ستظل نبراساً وهادياً لأجيال الحاضر والمستقبل .




















