المستقبل –
نشرنا القسم الأول لمقدمة مسرحية "في انتظار جودو" لبيكيت، بطبعتها الثانية الجديدة، والتي ترجمها وقدم لها بول شاوول وصدرت عن "دار الجمل" (بيروت ـ بغداد).
هنا القسم الثاني والأخير.
عندما كتب بيكيت "في انتظار جودو" (1948)، (حسب ما يروي أصدقاء الكاتب، وحسب ما تستشف من كتاباته)، كان في الثانية والأربعين من عمره. (مواليد 1906). وباكورته المسرحية هذه "المتأخرة" زمنياً، (إن صحت هذه المقاييس)، تجيء بعد ممارسة طويلة قام بها الكاتب مع الرواية والنقد والبحث والقصة القصيرة. إذن جاء بيكيت من الكتابة الروائية الى المسرح. ويروى أن "في انتظار جودو" كانت في الأصل "مقاطع كتابية تتخللها مادة حوارية"، حولها الكاتب الى مسرحية من فصلين ومن خمس شخصيات بعدما وجد فيها أصدقاء له "يعملون في المسرح" مادة غزيرة للمسرح وإذا عدنا الى المناخ السائد في نهاية الأربعينات وما قبلها وامتداداً الى مطلع القرن، وفي تضاعيفه، نجد أن بيكيت، عاصر صديقه الروائي الإيرلندي الكبير جيمس جويس وتجاربه "اللغوية" في مجال الكتابة الروائية، وأطلع جيداً على كافكا وأجوائه "الداخلية" وسارتر و"غثيانه" وكامو و"غريبه" و"كالوغيلا"، وقبل هؤلاء الفريد جاري و"أوبو" وحواليه أداموف في "المناورة الكبرى والمناورة الصغرى"، ومن قبل أرتو و"مسرح القسوة"، ومن ثم يونسكو و"المغنية الصلعاء" و"الدرس"،… إلخ! من دون أن ننسى السينما وتطورها من الفيلم الصامت "الإيمائي"، الى الفيلم الناطق، بالنماذج الثنائية التي قدمتها منذ شارلي شابلين وحتى ذلك التاريخ، وكذلك مناخات الرواية الجديدة خصوصاً في فرنسا مع ناتالي ساروت وآلان روب غرييه وميشال بوتور.
في هذه المناخات "الثقافية" في فرنسا وأوروبا ظهرت "جودو".. ولا يمكن فصلها. وإذا كان بيكيت "انفصل" كتابياً عن جيمس جويس من خلال تأكيده عن عجز اللغة، في مقابل إيمان جويس بقوة إمكاناتها اللامحدودة، وإذا كان التقى أو تقاطع والرواية الفرنسية من خلال مقاربات، فإنه الى ذلك شكل مع جماعة المسرح الجديد أداموف كرائد ويونسكو وجان جينيه وجورج شحادة كوكبة ما سمي المسرح الجديد أو المسرح الطليعي، أو مسرح العبث واللامعقول… خصوصاً وأن بيكيت كان أصلاً بدأ يكتب الفرنسية، شأنه في ذلك شأن أداموف (أرمني روسي) ويونسكو (روماني) وجورج شحادة (لبناني).. المسرح الجديد الذي كتب بالفرنسية وفي فرنسا كان رواده من غير الفرنسيين (بالطبع ما عدا ـ جينيه وفوتييه).
على هذا الأساس ويمكن القول أن ريادة بيكيت لم تكن منفصلة عن المناخات والريادات التي سبقت (منذ السوريالية) ومع كافكا أو السائدة وإذا تذكرنا ملامح وإن مبسطة من عبثية كامو في "الغريب" وكتاباته الفكرية، وكذلك عند سارتر نجد أن بيكيت تقاطع بعمق مع ما طرحه كامو وسارتر حول الوجودية والعبثية ولامعقولية الحياة ولا معناها.
"في انتظار غودو"، تتحرك أو تراوح من هذا العبث الذي يلف الكون، من هذا السكون. من هذا السكون. من هذا اللامعنى في اختلاط الواقع بالحلم بالذكرى بالنسيان بالزمن المنفي، بالتكرار الساكن، أي باللازمن.. بكسور الأشياء وببقاياها، إذا كان العالم بلا أسئلة وبلا أجوبة، وبلا منقذ، ولا إرادة شاملة ولا هدفية، يسير محملاً بالمصادفة وبالقدرية اللتين لا تُفضيان إلا الى صدفة وقدرية، يأتي الانتظار من باب الاستسلام للزمن، أو بالأحرى من باب جعل هذا الزمن الخاوي قابلاً لأن يعاش أو يسكن. فهذا الانتظار "في انتظار جودو" ذريعة لشيء آخر هو كيف نمرر الزمن عندما يحاصرنا اللامعنى، اللاتاريخ، وعندما نكون عاجزين حتى عن الانتحار (يفشل فلاديمير واسترجون في الانتحار). قبول الحياة هو قبول لافحواها، وقبول عجزنا ووحدتنا العميقة وخلاصنا المفقود، ولكن من ينقذ من؟ لا أحد قادر على إنقاذ أحد. ومم ننقذ بعضنا. من الموت؟ من العدم؟ من المفارقة؟ من القدرية؟ من العجز؟ كلنا محكومون بشروط "لازبة"، وعلينا أن نتدبر أمورنا.. بتمرير الزمن، حيث يصبح الانتظار "قناعاً" للاانتظار، لـ"موت الروح"، أو "لحطامها" أو بالأحرى "مسرحاً" لهذه المهزلة الأرضية حيث تصبح الحياة نفسها نوعاً من دونكيشوتية العبث، هذا اللاانتظار، أو الانتظار كقناع وكمسرح أو كذريعة كأنه الصيغة الفضلى للكشف عن خراب هذا الوجود، وكما يقول بيكيت نفسه "في فعل الانتظار نجرب مرور الزمن في شكله الأنقى" وهنا يأتي دور الكلام: فإزاء العبث الكوني بكل شروخه الإنسانية واللاإنسانية، يصبح الكلام جسراً "وهمياً" لعبور الزمن.
لكن أي كلام؟ ليس كلام الملتزمين والأيديولوجيين والحكماء و"الأدباء" والمصلحين والأخلاقيين الذين يرون في "الكلام" فعلاً وتعبيراً عن صيرورة وعن زمن وعن تطور وعن أهداف وعن علاقات وعن فلسفة وتفلسف ومواعظ، لا ليس هذا الكلام، إنه كلام المتفائلين و"المتشائمين" ضمن حدود "معقولة" و"مفهومة" ومدركة "كلام بيكيت هو اللاكلام". "تتكلم لاكي تقول شيئاً كي يتدفق الفراغ، في "الانتظار" الذي لا يأتي، ونعرف أنه لا يأتي، ونستمر فيه. هاجس زمني غامض، ينبع أولاً وأخيراً من "لامعقولية" العالم فهو ليس زمناً "داخلياً" أو حتى "خارجياً" باعتبار أن الإثنين "يستمران" وفي استمرارهما "حضور" إنه زمن يمشي ولا يمشي. يتحرك ولا يتحرك، يفعل فعله فينا. نهرم، نأكل، نشرب، تسقط شعورنا، أضراسنا، نعجز، لكنه في الوقت ذاته "غائب" يحول في سكونه في تحفيره، الى الانقراض الى "المجهول"، الى الانعطاب. فلاديمير واسترجون على موعد يوم السبت "لكن أي سبت؟ وهل نحن اليوم في يوم السبت" كأن كل لحظة حاضرة منفية في الذاكرة ولكن أي ذاكرة وأي ذكرى. ومسرح بيكيت عموماً كأنه مسرح الذكرى ومسرح الذاكرة لأنه مسرح الإنقراض والمنقرضين أو الذين في طريقهم الى الانقراض، مسرح ما قبل النهايات مسرح الحافات الأخيرة، لكن أي ذكرى؟ غموض وتقاطع وتداخل. استرجون ترك أو أعتقد أنه ترك حذاء أسود وفي اليوم التالي (أو هكذا افترض) وجد حذاء أصفر "جئنا البارحة" يقول استرجون ويجيب فلاديمير "آه، كلا!.." بوزو تثور ثائرته في الفصل الثاني بعدما صار أعمى عندما يلح في سؤاله عن متى صار أعمى، ومتى صار لاكي أخرس "ألم تكفا عن تسميمي بكلامكما عن الزمن. ذات يوم، ذات يوم كسائر الأيام صار أخرس، وأنا ذات يوم صرت أعمى وذات يوم نصبح طرشاً، ذات يوم ولدنا، ذات يوم سنموت، اليوم ذاته، اللحظة ذاتها". وفي نهاية المسرحية يقول فلاديمير "غداً عندما أتخيل أني أفقت. ماذا عساني أقول عن هذا اليوم؟ بأنني انتظرت جودو مع استرجون وأن بوزو مر بلا شك. لكن مع كل ذلك ما الذي سيكون حقيقياً؟" هذه التساؤلات تعكس، بالطبع، قلقاً. أو بالأحرى تعكس في العمق "قلقاً" ميتافيزيقياً وهناك من يقول إن شخصيات بيكيت في هذه المسرحية "شخصيات" ميتافيزيقية ويعتبر هذا البعض أنها مسرحية "دينية" في عمقها، تعبر عن تساؤلات "لا مجدية" إزاء المصير الإنساني والكوني وعزلة هذا الإنسان في هذه الصحراء اللامحدودة من اللاشيء! هذا البعض يربط فكرة انتظار "جودو" بقلق غيبي.. و"جودو"، يعتبر البعض أنها كلمة مشتقة من GOD بالإنكليزية التي تعني الله. والبعض الآخر ينفي هذا الربط بالغيب ويربط كلمة "جودو" بـGodillot أو الحذاء الضخم (حذاء استرجون) في التفسير الأول يلتقي بيكيت "الفلسفة" النيتشوية عن الله، وكذلك الفلسفة الوجودية هيدغر، سارتر وكامو.. والتفسير الآخر، يتجه الى تجريد المسرحية من القول الذهني أو الفلسفي، وتالياً تجريدها من روائية القول، ورمزيته ودلالاته حتى الاجتماعية من خلال العلاقات القائمة بين بوزو ولاكي من جهة وبين استرجون وفلاديمير من جهة أخرى، بيكيت الذي كان "يرعبه" ربط مسرحيته بالأفكار والتآويل المحددة كان من الرأي الثاني.
وإذا كانت "في انتظار جودو" تتسع فضفاضة لكل من يريد أن يبحث عن "معان" وعن تفاسير، من فلاسفة وسوسيولوجيين ومفكرين ونقاد، فلأنها في عدم "قولها" شيئاً تقول "أشياء" كثيرة لكن، كما قلنا، من دون أسئلة "تقليدية ممنهجة" و"مقولبة" ومن دون أجوبة، خصوصاً من دون أجوبة وإن عشرات ألوف المقالات والدراسات والمقاربات التي راحت تتطرق الى "عمق" المسرحية والتي تلمس "مغاليقها" ومفاتيحها، وقع الكثير منها في التناقض. ويمكن أن تقرأ عشر مقالات لعشرة نقاد ومفكرين ومسرحيين لا تتقاطع إلا في القليل القليل هذه التعددية في القراءة، وهذه المستويات تنطبق على "في انتظار جودو"، وتنطبق على كل الأعمال الكبيرة "هاملت" "مكبث" "الملك لير" لشكبير "فاوست" لغوته "المغنية الصلعاء" و"الكراسي" و"الملك يموت".. ليونسكو، و"المناورة الكبرى والمناورة الصغرى لآداموف، و"السفر" و"حكاية فاسكو" و"سهرة الأمثال"، لجورج شحادة، كما تنطبق على كل قصيدة أو رواية أو لوحة مهمة، فالعمل الذي لا يحتمل سوى قراءة واحدة، ومستوى واحد من القراءة اي العمل الذي بلا "عمق" ولا التباس (ابداعي ودلالي)، عمل لا يعيش ولا يبقى. ولعل هذا ما كان يخشاه بيكيت، اخضاع مسرحيته لتفاسير مقننة احادية نسجتها في "افكار" نقادها وأوهامهم.
ان هذا الالتباس، لا بد ان يميز "في انتظار جودو"، (سواء قبل بيكيت تفاسير أحادية أو متعددة او لم يقبل)، سواء في أحداثها او في شخصياتها، أو في "النكهة" الميتافيزيقية، التي يمكن ان تشف، أو حتى في اللغة والكلام والبعد الانساني والاجتماعي والنفسي والميتافيزيقي نفسه.
يبدأ ذلك "بأحداث" المسرحية التي يصعب ان تروى، فأية مسرحية تروى وهي من دون عقدة ولا مقدمة ولا قفلة (شأن المسرح المعهود). الستار يرفع. شجرة بلا ورق. ماء طريق ريفية. رجل قاعد على الأرض. يدخل رجل آخر المسرح، الرجلان يرتديان ملابس "غريبة"، قبعتين واسعتين، سترتين سوداوين، بنطلونين مقلمين، الرجل القاعد يحاول خلع حذاءيه (فلاديمير، ينادي ايضا ديدي ولاحقا البير) الآخر استرجون ينادي جوجو، نعرف ان الرجلين افترقا مساء البارحة، وأن استرجون قضى ليلته في حفرة، ثم ينخرطان في حوار ونعرف انهما ينتطران شخصا يدعى جودو، ثم يأتي بوزو ولاكي الأول سيد والآخر مسود وخادم، وينخرطون في حوارات متشعبة لكن من دون ان يحدث شيء سوى ان غلاما يأتي من قبل جودو ويبلغ استرجون وفلاديمير بأنه لن يتمكن من المجيء هذا المساء وبأنه "سيأتي بالتأكيد غداً".
الفصل الثاني فصل انتظار ايضاً. أحداثه تكاد تكون اياها. نجد استرجون ثم فلاديمير، وفي حوار "يقطعانه" في انتظار جودو، الشجرة العارية اكتست بالأوراق، يأتي بوزو ولاكي لكن بوزو صار ضريراً ولاكي أطرش، الأول لا يرى والثاني لا يسمع ولا تتغير علاقتهما. عدا ذلك "الحس" التراجيدي عند بوزو ثم ينخرطان في حوار وفي "أحداث" وتفاصيل: سقوط ومحاولة نهوض فسقوط لكن لا يحدث شيء. يستأنف بوزو ولاكي رحلتهما، ويأتي الغلام نفسه ويبلغ استرجون وفلاديمير بأن جودو لن يتمكن من المجيء هذا المساء وأنه بالتأكيد سيأتي غداً، ثم يمضي الغلام، استرجون وفلاديمير يحاولان الانتحار، لكن الحبل كان اقصر من ان ينفذا العملية به، وفي النهاية لا شيء. لا احد يأتي، ولا ينتحران، ويزمعان على الرحيل، ويبقيان مكانهما.
من خلال هذه "الرواية" نجد ان الحدث بالمعنى المسرحي المعروف غير موجود، مجرد "ثرثرة" وأحاديث بين "الشخصيات" لا ازمة لا مقدمة. لا عقدة، لا حل. لا صراع شخصيات. أي لا تطور في الحديث. لا نمو. كما عهدنا في المسرح الكلاسيكي لا "رواية" هناك سكون في عمق الاشياء. سكون جمود تتخلله "فجوات" صمت. في هذا السكون لا نجد شيئاً يتغير. لا الأحداث. لا العلاقات بين الشخصيات. لا طبيعة الحوار. لا الطبائع لا الحالات. كأن المسرحية في حركة دائرية مغلقة على نفسها، بدايتها في نهايتها، نهايتها في بدايتها. "والحركة الممكنة" ليست اكثر من تكرار. و"الأحداث" (اذا صحت الكلمة) تكرار لبعضها.
ما حدث في الفصل الأول، هو، في عموميته، ما حدث في الفصل الثاني. اكتساء الشجرة بالأوراق بعمق التكرار ويضلل الايقاع الزمني. واصابة بوزو بالعماء ولاكي بالطرش لا تغير من جوهر علاقتهما. الكلام هو اياه. مع بعض التفصيل "الغامضة" التي تتعلق بجودو وبشقيق الغلام وبالغلام نفسه، انه مسرح التكرار. مسرح اللاحركة.. مسرح اللازمن كيف يمكن ان تتطور مسرحية بشخصياتها، وصراعاتها، اذا انتفى السياق الزمني. اذا نتفى "الاحساس بالزمن" انه الزمن المنفي. الملغي في سكونية ابدية، بهذا المعنى تبدو هذه السكونية من مواصفات القصيدة. (لا الشعر). القصيدة ذات حركة دائرة لا زمنية، تنتهي في بدايتها وتبدأ في نهايتها. حيث البداية والنهاية في نقطة غامضة، ساكنة، محفرة. وفي هذا تختلف عن الرواية (التقليدية) التي هي احساس بالزمن قبل كل شيء وخضوع لحركته ولإرهاصاته ولمتطلباته. كل رواية هي زمنية. كل قصيدة هي لازمنية.. بيكي في "انتظار جودو" وحتى في "نهاية اللعبة" و"الشريط الأخير"، و"آه! في الأيام الجميلة".. يلعب هذه اللعبة اللازمنية. واذا راجعنا بعضاً من الأعمال الكلاسيكية. شكبير، كورناي راسين، فيكتور هيغو، كالدورين، غوته، شيللر، ومن ثم آنوي، جيرودو، كلوديل، اي الأعمال التي تنتمي الى كلاسيكيات المسرح نرى انها اعمال ذات مواضيع كبيرة واساسية، فلسفية، أو نفسية، أو سياسية أو اجتماعية. اي اعمال تدور حول مواضيع كبيرة، وبالطبع تصوغ شخصيات كبيرة في مستوى هذه المواضيع "في انتظار جودو" مسرحية تكاد تكون بلا "موضوع"، (سوى فكرة الانتظار الغامضة والتي تبدو كما قلنا كذريعة) اي بلا بؤرة تشحن شخصياتها بالمواقف والحالات "النافرة" والمميزة، اي بلا حالات ايضا، اي بلا ابطال. الموضوع الكبير يخلق البطل الكبير، يخلق الأسطورة، والأطر المطلقة، مسرحية بيكيت هذه تنفي "البطل" الذي صورته الذاكرة المسرحية وغير المسرحية مكبث او هاملت او رودريك أو شيمين او دانتون او روبسبيير، أو في مسرحنا العربي "كقمبيز" و"كليوباترا" و"انطونيو" أو "قيس وليلى" أحمد شوقي، أو "قدموسي" أو "بنت يفتاح" عند سعيد عقيل، او الحلاج عند صلاح عبد الصبور.. وتنفي التقاسيم "النهائية"، والأمزجة، والطباع التي تقسم هذه الشخصيات في مواقع ومواقف وصراعات. ولهذا، يبدو وللوهلة الأولى اننا في مناخ "سيرك" يقدم في "الهواء الطلق"، على طريق ريفية، وفي جوار شجرة، ثم الفراغ. "في انتظار جودو"، تحمل مواصفات أساسية من العاب السيرك، ومن "مواضيع" السيرك، ومن تركيبة الوصلات في السيرك، على كل، هذا ما اشارت اليه الشخصيات في غير مكان من المسرحية. في وصلات السيرك، لا موضوع محدد، لا بؤرة لا "حكاية" وتاليا لا ابطال، هناك الملابس اولا، وهي ملابس "مهرجي" السيرك فضفاضة، قبعات، حذاء ضخم (حذاء استرجون) ثم رباط يشبه ربطة العنق ثم الحبل. انها ملابس واشياء "بالية" من سقط المتاع، ترتدى للتهريج، اي ملابس تنكرية تنفي "هوية" محددة عن الشخصيات. ثم تأتي الحركات التي يركز بيكيت على تتبعها: رفع رجل، ثم رفع رجل أخرى، لعبة القبعات الثلاث بين استرجون وفلاديمير، الايماء، أكل الجزرة. الرقص. انهم مهرجون "اكثر ما هم شخصيات وهم "ابطال" المسرحية. المهرج في السيرك هو البطل وفي المسرح هو "الكومبارس" وان بدا أحيانا ذا حكمة كما نجد عند شكسبير احياناً، كما هي في "الملك لير" مثلاً.
وعندما نذكر المهرج لا يعني اننا نؤكد على وجوده في "السيرك، وننفيه في المسرح، لكنه هنا "البطل" (عند بيكيت) وفي المسرح التقليدي كومبارس. وهنا لا يمكن ان ننسى كوميديا دي لارتي القائمة على "التهريج" اصلا، ولا بعض شخصيات موليير. كما لا ننسى هنا بالذات السينما الصامتة والناطقة والتي قدمت نماذج ثنائية وغير ثنائية من الصعاليك، والمهرجين والهامشيين اهمها مثلا شارلي شابلن ولوريل وهاردي و"الاخوة ماكس".. كما لا ننسى المسارح المتجولة التي تحولت الى ظواهر منذ قرون عيدة والتي كانت تقترب كثيراً، في بعض توجهاتها مما يقدم في السيرك. من هنا من الصعب ان نتكلم على شخصيات في "في انتظار جودو" انها تتبادل احيانا كثيرة الأدوار والحوار والمواقع وتغيرها ولا تتحد فيها (كمهرجي السيرك). والتقاء كذلك والفلسفة الوجودية التي نفت "الصفات" الثابتة في الانسان، اي الثنائية المطلقة (ذات الاصل الديني ومن ثم الايديولوجي)، خير، شر، قبح، جمال، اسود، أبيض، هذه الفلسفة تنطلق من فكرة ان الانسان هو مزيج من خير وشر وقبح وجمال واسود وابيض. (وهذا ما نستشفه عميقاً في شعر بودلير الذي تأثر في هذا المنحى بإدغار ألن بو). بل وأكاد اقول انهم اذا اعتبرنا ان الانتظار هو ذريعة، ممثلون، مجرد ممثلين، مهرجون، اكثر مما هم شخصيات. يكتسون ملامح و"مزايا" لتمضية الوقت في هذا الانتظار الملتبس، يلعبون لعبة الزمن، انهم يتنكرون بأدوارهم ويتقنعون بكلامهم.
استرجون وفلاديمير يحاولان أن يقلدا مثلاً بوزو ولاكي. بوزو يتكلم وكأنه امام جمهور، وينتظر ان يقيّم. لاكي يلقى خطاباً طويلاً عريضاً عندما يطلب منه ذلك. استرجون عندما يغادر الخشبة يطلب من فلاديمير ان "يحفظ له مكانه" (وكأنهم في صالة مسرح) حتى يمكن القول إن استرجون "ذريعة" مسرحية تستخدم لابقاء الحوار أو الكلام جارياً هل هذا يعني ان المسرحية لا تقول شيئاً، وان الشخصيات "دمى" مهرجة تلعب في سيرك ريفي! هل هذا يعني ان لا ملمح في الشخصيات وتالياً "لا علاقات"؟
على الرغم مما قلنا، (وقد لا ينفي ما قلنا)، رأي نقاد ومفكرين ومسرحيين بالمئات، ان لهذه الشخصيات "تقاسيم" ما وترتبط كذلك بمرجعيات ما، وهي تفاسير واجتهادات ضرورية منها ان شخصية استرجون، هي شخصية غريزية مادية، جشعة، تتراوح بين الحاجات المباشرة كالأكل والنوم وكذلك النسيان وبين التفاصيل. انها من "الحثالة" التي ترى كل شيء من خلال حاجاتها الغريزية، وفلاديمير الوجه الآخر المثالية، الحكمة، رصد الانتظار، التذكر، والتمسك بالحوار والحركة.
ومن هذه الاجتهادات ان بوزو يمثل السلطة الغاشمة، الظالمة، اللاانسانية، الحسية، الاقطاعية، ولاكي هو المسود والخادم، والمطيع والنعجة والخروف اي الذي يلعب لعبة الخادم بأصولها ومتطلباتها والبعض رأى ان جودو انمسخ في صورة بورنو مع كل ما يريد ما يرمز اليه (وقد اشرنا الى ذلك).
لكن هذه المواصفات، على دقة بعضها، تبقى هي أيضاً ملتبسة، ففلاديمير المثالي الذي يؤنب بوزو على معاملته السيئة للاكي ويقول "هذا عارّ" يعود ويؤنب لاكي (الخادم الصامت، المطيع) لأنه " لا يعذب سيده" ينتقل في لحظة من "الموقف الانساني" "الشهم" الى الموقف المتواطئ، استرجون نفسه، رغم الخانة التي وضع فيها يربطه فلاديمير عامل "مشترك" هو "الانتظار" انتظار شيء او ذريعة الانتظار، او الانخراط بلعبة معابثة الزمن، بوزو، المادي، الجائر، اللانساني، يبدو في لحظات "شاعراً" يصف الشفق وتدرجات الوانه بحس جمالي بليغ وفي الفصل الثاني يتكلم عن الزمن بنبرة غاضبة ورثائية، انه متسلط وحكيم وشاعر.. لاكي، رمز الخادم الملغى، يتحول فجأة الى "متكلم" وان طغت الآلية على كلامه، وكلامه المبعثر والمتقطع لا يخلو من انتقاد للعلماء، ولا يخلو من ثقافة متبحرة…
من هنا اننا لا نجد شخصيات "نموذجية مطلقة" بقدر ما نجد "حطام" شخصيات ملمومة، او مجموعة في علاقات تتحكم بها الضرورة والحاجة والظرف والمكان اكثر مما تتحكم فيها عوامل الثبات، كأنها في النهاية، شخصيات طلعت الى "المسرح" السيرك، لتتكلم لتعبئ الفراغ الزمني بالكلام. انها شخصيات كلامية.
ونظن ان الشخصية الرئيسية والبطل في "انتظار جودو" هو الكلام. الكلام هو الحدث الرئيسي. وهو السياق الذي يتبع مجراه، لكن اي كلام؟ اي قول اي نبر؟ اي تصويت؟ اي صمت؟ (الصمت جزء اساسي من الكلام، تماماً كما ان الايماء جزء من هذا الكلام، وبيكيت كان عاشق الايماء وكذلك الصمت).
قلنا ان في "انتظار جودو" لا يحدث شيء، الفصلان تكرار للعدم، تكرار للسكون يعني ان لا يحدث أي شيء، وان تكرار السكون بلا تقدم يشير الى انه لن يحدث شيء.. ان لا يحدث شيء، وأن يتكرر العدم، يعني ان لا تقول الشخصيات في النهاية شيئاً، في دورانها حول ذاتها، وحول الفراغ والكلام هنا كالحدث لا يفضي الى شيء، ولا يقول شيئاً، "نتكلم كي لا نقول شيئاً؟!
ماذا يمكن ان نقول امام العدم. نكرر العدم بالعدم. امام العجز والشقاء والبؤس والوحدة والفراغ اي امام التفاهة اللامعة في الشرط الانساني اي ازاء البلية الكونية. و"شر البلية ما يضحك" وهنا جوهر الفكاهة البيكيتية في هذه المسرحية، اكثر مدعاة للضحك هو الشقاء انه مادة "غزيرة" لا تنقذ… من هنا يأخذ "التهريج" ككل، ومنه الكلام، سواده ولامعقوليته ولاعدميته. لا يقول شيئاً؟ نعم، ربما. ولكن ما يقوله كله ظريف حي ومدمر ايضاً، فالضحكة هنا جزء من العدم والفكاهة السوداء (أو البيضاء) جزء من هذا العدم، اي من هذا الخراب المعمم، اي جزء من هذه المفارقات التي تبدو ظاهرياً، ربما، وكأنها من المفارقات اليومية والقريبة والتفاصيل الا انها كذلك جزء من المفارقات الكونية التي تسم الوضع الانساني ككل.
تضحك او تبتسم، كأنها الضحكة التي تصلك بالهاوية، بالسكون الأبدي الذي تتوهم انك تتحرك اليه او يتحرك اليك ولا خلاص حتى الانتحار مستحيل، حتى المغادرة مستحيلة، حتى الحركة مستحيلة، حتى التفكير (احياناً) مستحيل، ما دمنا عاجزين عن التحكم بأبسط المور وبأعظمها من هذه التفاصيل واليوميات والمظاهر والملابس والكلام والحوار والحركات القائمة على المفارقات، يؤسس بيكيت الضحكة العدمية، تلك التي تفتح فجوة على العدم، وعلى الفراغ وعلى الموت الداخلي.




















