يجمع المسؤولون الغربيون، ونظراؤهم من القادة العرب، على أن ايران هي أول المستفيدين من تقليص عدد القوات الأميركية بالعراق تمهيداً لانسحابها. ويرى معارضو نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، وخصوصاً المتشددين السنّة منهم، أن الحكومة التي يرأسها الشيعة هي لعبة في يد طهران. ويزعمون أن ايران تمسك بمقاليد الحكم بالعراق.
والحق أن نفوذ ايران في العراق يفوق، اليوم، نفوذها فيه طوال قرون. فالتجارة بين البلدين ناشطة، شأن دور المبعوثين الإيرانيين الى العراق. وعلاقات ايران بميليشيات عراقية وفرق الاغتيالات وثيقة. ولكن زعماء العراق لا يستسيغون تلقي التعليمات والأوامر من طهران. فهم عرب وليسوا عجماً من الفرس. ويعتبر هؤلاء بدرس استخلصه المالكي، وهو أن ايران تقدم مصالحها القومية على الاعتبارات الأخرى، ولو كانت مصالح الشيعة بالعراق.
وتلوّح حكومة المالكي بالخطر الإيراني لتنتزع تنازلات من جيران العراق وقادة الغرب القلقين من النفوذ الإيراني، ولتحثهم على مساعدة المالكي وتفادي اضطراره الى الاستعانة بالإيرانيين. ولسان حال المالكي من الإيرانيين هو مثل عراقي شعبي يقول «يأخذونه الى النبع، ويعودون به عطشاناً».
ولا شك في أن تجربة مالكي المريرة مع ايران يوم كان منفياً في طهران تبرز حدود النفوذ الإيراني على قادة العراق. فحزب «الدعوة» الإسلامي، وعلى رأسه المالكي، خطا خطواته الأولى في العراق، وليس في ايران. وتنامت قوة الحزب في السبعينات، وعارض صدام حسين. وحاول صدام القضاء على «الدعوة». ويزعم الحزب أن 200 ألف عراقي من حزب «الدعوة»، أو مقرب منه، قضوا في عمليات التطهير الصدّامية. وفرّ المالكي من العراق في تشرين الأول (أكتوبر) 1978، ونجا من الاعتقال. واضطر المالكي الى التسلل الى جنوب العراق متخفياً، وحمل أسماء مستعارة منها جواد المالكي، وهو اسمه المستعار في سورية، وسيد حسني، ليحمي عائلته وأقاربه من استخبارات صدام السرية. ولكن عشرات من عائلته قضوا على يد نظام صدام.
وأعضاء حزب «الدعوة» مدينون لإيران. فهي وفرت لهم ملاذاً في وقت انقبضت مد يد العون عنهم. وتعاظم دعم طهران الميليشيا العراقية، اثر اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية في الثمانينات. وبعد نحو عام، أجازت الحكومة الإيرانية لحزب «الدعوة» انشاء معسكر على تخوم منطقة الأهواز، ومعظم سكانها من العرب، القريبة من الحدود لشن هجمات على الأراضي العراقية. والتحق مئات المقاتلين العراقيين بهذا المعسكر، ونزلوا في أكواخ خشبية ضيقة مزودة بالمياه والكهرباء. ونقل أعضاء حزب «الدعوة» خبراتهم العسكرية التي اكتسبوها في جيش صدام الى المقاتلين، ودربوهم تدريباً عسكرياً. ونُظمت في المعسكر دورات عسكرية ودينية. وعلى رغم ولائهم لقيادة دينية مختلفة، شارك حزب «الدعوة» الإيرانيين حماستهم لتجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الطرية العود. ويقول الشيخ جعفر صادق الدجيلي، وهو أقام في المعسكر هذا، أن المقاتلين كانوا يهتفون، يومياً، «النصر للإسلام، وليحيا الصدر»، بعد الصلاة. ودرج المالكي على القاء خطب سياسية في حضور حشد يجتمع فيه الأطباء وعلماء الدين وأنصار حزب «الدعوة» الأميين.
وسرعان ما عزف «حزب الدعوة» عن الأناشيد والهتافات التي تحتفي بالثورة الإسلامية. فالعراقيون لم يرق لهم النموذج الإيراني في الحكم ولا نموذج ولاية الفقيه. وأنكروا سعي الإيرانيين في السيطرة على حركة المقاومة العراقية المناوئة لصدام. وبدأت النزاعات بين العراقيين والإيرانيين، ودار خلاف على احكام الإيرانيين السيطرة على مداخل المخيم وعلى المنافذ الحدودية.
وكان المالكي يدعو انصاره الى الاعتصام بالصبر. ولكن الإيرانيين أنشأوا مجموعة مقاومة عراقية جديدة ضد صدام تدين لهم بالولاء، وهي «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق». والتحق عدد من عناصر «الدعوة» بالحركة الجديدة.
ووفرت ايران لـ «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» دعماً كبيراً، وأجازت التحاق الجنود العراقيين الأسرى في الحرب بمخيم التدريب المناوئ لصدام، عوض زجهم في المعتقلات.
وتفاقمت خلافات «الدعوة» مع الإيرانيين، مع انحسار نفوذها في معسكر التدريب. ويروي طالب حسن، وهو مستشار المالكي وعُين اخيراً في منصب حاكم محافظة ذي قار الجنوبية، أنه قصد والمالكي سلطات الهجرة الإيرانية لتجديد تأشيرة، فطُلب منهم استئذان «المجلس الأعلى»، والحصول على موافقته للبقاء في الأراضي الإيرانية. ويقول المقربون من المالكي أنه لم يأسف لمغادرة ايران الى سورية، في مطلع التسعينات. ولم يُجد المالكي اللغة الفارسية، على رغم مكوثه أعواماً بإيران. فهو «لم يحب البلد ليتعلم لغته»، على ما يقول مقرب منه. والمالكي وغيره من القادة العراقيين لم ينسوا أن ايران كانت أول من اعترف بـ «مجلس حكم العراق» الذي أنشأته الولايات المتحدة، في 2003. ويتذكرون نبذ الحكومات العربية لهم، وتعاليها عليهم. ولم تغلق ايران قنصليتها بالعراق، في وقت رفضت دول عربية فتح سفارة لبلادها بالعراق. وفي مرحلة المجازر الطائفية، في 2006، مدّت ايران شيعة العراق بالمال والسلاح للدفاع عن أنفسهم. وكان أحمدي نجاد أول رئيس اقليمي يزور بغداد.
ويرى وين وايت، مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية، أن المالكي، منذ اتساع شعبيته، تجرأ على اعلان تمسكه باستقلال العراق، وابتعد من الإيرانيين والأميركيين على حد سواء. ولكن الخلاف مع الإيرانيين مستمر. وينقل حيدر العبادي، نائب عن حزب «الدعوة»، عن رئيس الوزراء قوله أن الحملة على ميليشيا الصدر في البصرة أماطت اللثام عن «أفعى» كادت أن تلتف حول الحدود الشرقية. وإثر القاء القوات العراقية القبض على مقاتل موال لإيران ذائع الصيت، تعاظم التمرد في البصرة. وخاطب المالكي الصدريين قائلاً : «من يمدك، اليوم، بالصواريخ لتهاجم الآخرين، سيسلح غيرك في الغد». ويقول شهبندر أن المالكي محاط بأعضاء من حزب «الدعوة» مقربين من ايران، وأن ادارته الظهر للإيرانيين مستبعد. ويرى مسؤولون عراقيون أن انحسار نفوذ طهران ببغداد يكاد يكون مستحيلاً. فالتبادل التجاري بين البلدين كبير، ويبلغ، سنوياً، 4 بلايين دولار. وهو يحل في المرتبة الثانية بعد التبادل التجاري مع تركيا، ويبلغ 5 بلايين دولار. ويقول مسؤولون أميركيون بالعراق أن ايران قد تغتال من يقف في طريقها من العراقيين.
وفي الانتخابات الأخيرة، هزم حزب «الدعوة» «المجلس الأعلى العراقي» والمشاورات بين الفريقين الشيعيين الى تعاظم. وتحاول طهران حمل مالكي على التحالف مع حليفها الصدوق، في الانتخابات البرلمانية القادمة. ولكن المالكي متمسك برئاسة الائتلاف الشيعي، في حال تحالفه مع منافسه. وفي وسعه التحالف مع سّنة من مشارب مختلفة. ومثل هذا التحالف يعبد طريق المصالحة بين العراقيين، ويخرج بلدهم من دائرة النفوذ الإيراني. ولكن ايران قد لا تتورع عن التخريب للحؤول دون ذلك.
عن «نيوزويك» الأميركية، 15/6/2009، إعداد م. ن
"الحياة"




















