في أثناء زيارة من ثلاثة أيام الى الشرق الأوسط وأوروبا، اضطلع باراك أوباما بمهمة طموحة هي تغيير السياسة الدولية. فهو لم يصرف من زيارته الى مقابلة الرؤساء إلا وقتاً قليلاً. ومد يده داعياً مضيفيه الى الخروج من المنازعات القاسية، وأسفر عن وجه أميركا الجديد. ودعا الى الاحتكام الى العقل والتاريخ والقيم والذاكرة، واستلهام التطلعات المشتركة. وصاغ دعوته ببساطة ومباشرة قلما شهدتهما السياسة الدولية، ويذهب تشارلز كو بشان، من مجلس العلاقات الخارجية بواشنطن، الى أن أوباما «يلتف على النخب، ويتوسل بشعبيته الى غايات سياسية. وهو لا يناور، بل يحاول تحريك مشاعر الناس وقلوبهم، ومخاطبة غرائزهم الشريفة وعقولهم. وهذا نهج ثوري».
وفي 4 حزيران (يونيو)، سعى باراك أوباما في استئناف الصلة بالعالم الإسلامي بعد الخلافات الحادة في أثناء السنوات الأخيرة. وقال انه يؤيد حل الدولتين في النزاع العربي – الإسرائيلي، وطالب الدولة العبرية، بصراحة، بالامتناع من توسيع الاستيطان. وفي 5 حزيران (يونيو) في أثناء زيارة معسكر الاعتقال ببوخنفيلد، ذكر بأن الأميركيين يدركون طبيعة المحرقة العميقة ودورها في ولادة دولة اسرائيل.
وفي اليوم التالي، على شاطئ النورماندي، خاطب قدامى المحاربين الذين اشتركوا في الإنزال، وحيا تضحية من ضحوا وقاتلوا، ونوه بدور الحلفاء في قتال الفاشية. والحادثة التاريخية هذه فارقة، وكانت السبب في دخول الولايات المتحدة المسرح الدولي وتصدره.
ويلاحظ بعض الديبلوماسيين ان استراتيجية أوباما الدولية تقتفي أثر استراتيجيته الانتخابية، وتعول على النتائج الشعبية العظيمة التي حصدتها. فماضي الرئيس الأميركي وتجربته الشخصية يخولانه نسج رابطة جديدة بالناس العاديين.
وأظهر استطلاع رأي قريب أن 80 في المئة من المستطلعين، في الولايات المتحدة وأوروبا، ينظرون نظرة ايجابية الى الرئيس الأميركي. وآراء العرب أكثر تحفظاً. ويدل استطلاعان ان الرأي العام العربي يقوم ايجاباً الرئيس الجديد فوق تقويمه سياسة الولايات المتحدة عموماً. ولاحظ أوباما بالقاهرة أن أزمة الثقة التي تعاني علاقات المسلمين بالولايات المتحدة منها تعود جذورها الى قوى ونزعات سياسية تتجاوز اطار المناقشة السياسية. وهو لم يكتم شعوره بضخامة المهمة التي يضطلع بها، وبتواضعه بإزائها. وقال ان رائده في مهمته هو يقينه بأن المصالح التي يتقاسمها البشر أقوى من دواعي اختلافهم ونزاعهم.
وغداة خطبة القاهرة، رأى بعض الإسرائيليين ان أوباما ربما غامر بموقف لا سند قوياً له، بينما ذهب بعض المثقفين العرب الى أن أقواله غائمة بعض الشيء. وهو نفسه ردد أن الأقوال لا تقوم مقام الأفعال، ولا غنى عن تقدم عملية السلام من غير ابطاء. ويلاحظ أحد الديبلوماسيين الأميركيين «أن المسلمين والإسرائيليين وأوروبا والولايات المتحدة يختبرون مع أوباما نهجاً جديداً. وقد تثمر جهوده، فهو يسوغ تبادل الأفكار والمناقشة، ويحمل الأطراف على التفكير في المسائل تفكيراً جديداً، ويدعوهم الى تطوير الذهنيات ورهن تغير السياسات بتطور الذهنيات هذا».
ويحسب تشارلز كوبشان ان شعبية أوباما قد تتيح له النفخ في دينامية جديدة. وهو يفعل ما يفعل لأن هذا في متناوله، أولاً، ولأنه يحسب أن ظرف الاستقطاب والأزمة الاقتصـــادية، اليوم، يؤيد حلاً من هذا القبيل، ثانياً، فإذا أفلحنا في عقد اتفاق مع ايران فلن يكـــون الاتفـــاق ثمرة مفاوضات سرية مع أحمدي نجاد، بل ثمرة اقناعنا بأن معــــظم الطبقة الـــساسية الإيرانية بمساندة تبلور علاقة جديدة بالولايات المتحدة. فمحاورو الرئيس أوباما وأقرانه ليسوا نظراءه بل شعوب مصر والشرق الأوسط، وهذا ضرب من الشعبوية العالمية، على معنى الكلمة التقدمي. ويبقى انتظار مصير الرهان على النهج الجديد».
* معلق، عن «كريستشين سيانس مونيتور» الأميـــــــركية، 9/6/2009، إعداد وضاح شرارة
"الحياة"




















