المستقبل –
كان خوان مانويل بيرتولو، ولسنوات طويلة، يعمل في شارع بمدينة سان أنتونير، حيث أحد الموانئ التشيلية المهمة. وكان أكثر ما يميزه عن زملائه الآخرين هو أنه تعلم في سنوات مبكرة من شبابه بجهده الخاص، وعن طريق التعلم الذاتي، القراءة والكتابة، لكي يهرب من حياة الفقر والفاقة التي عاشها في السنوات الاولى من حياته، بعد موت والديه في حادث سيارة. تركز عمل خوان مانويل الصحافي في إجراء المقابلات مع عمال الميناء، صيادي الأسماك، خصوصاً الشباب منهم. بالتوازي مع ذلك، وفي أحيان أخرى، كان يكتب عموداً في الصحيفة المحلية عن الأوضاع الإجتماعية السيئة التي تعيشها المدينة. عمله الصحافي هذا جعله يتحول إلى شخصية غير مريحة ومشبوهة سياسياً في سنوات حكم الديكتاتور التشيلي السابق الديكتاتور أوغستينو بينوشيت. بوقت قصير وقبل نهاية الديكتاتور التشيلي، في 10 شباط 1990، توفي خوان مانويل في أحد مراكز التوقيف لشرطة المدينة. بعد موته مباشرة، وعندما سنت الحكومة الديموقراطية التشيلية قانوناً يسمح لضحايا النظام الديكتاتوري السابق بالمطالبة بالتعويضات، أُعتبر خوان مانويل أحد ضحايا الديكتاتورية. لم يكن هناك لبس على القضية. شريكته في الحياة كانت هي التي طالبت ومنذ بداية دخول تشيلي مرحلة التحول الديموقراطي، بدفع التعويضات الخاصة بزوجها. لكن كما يبدو لم تكن الزوجة على حق في مطالبتها، كما تبين في الأيام الأخيرة. فمنذ فترة قريبة، بدأت الفضائح تتكاثر بشكل ملفت للنظر، عندما راحت تُكتشف حالات عديدة من الإحتيال لضحايا مفترضين، دُفعت لهم التعويضات بسخاء، وهو ما جعل المعارضة التشيلية (التي هي اليوم في أغلبها معارضة يمينية) تطالب بإعادة النظر بتقييم الماضي.
إبنة خوان مانويل بيرتولو، سولانغه، كانت هي وراء الكشف عن الخديعة، عندما صرحت للصحافة قبل فترة قصيرة، بأن أباها لم يمت في الحقيقة بسبب تعرضه للتعذيب في مركز التوقيف لشرطة المدينة، كما إدعت أمها حتى الآن، إنما مات بسبب تعرضه إلى أزمة قلبية حادة، حدثت له بعد احتسائه الخمر حتى الثمالة وعلى مصطبة في إحدى حدائق المدينة، حيث نام هناك في العراء، رغم البرد. ولأن ذلك لا يتناسب مع الصورة السياسية التي يعرفها العالم عن تشيلي وعن الإضطهاد والملاحقات التي تعرض لها المعارضون التشيليون للنظام الديكتاتوري السابق، بدأ اليمين التشيلي وقواه المحافظة التي ما تزال مخلصة بولائها للديكتاتور التشيلي الذي توفي عام 2006، بدأ يرغي زبداً، وليقود بذلك حملة ضخمة تشهيراً بالحكومة اليسارية الحاكمة. وفي حملتها المكثفة تتحدث المعارضة التشيلية عن كشفها حتى الآن لست حالات أخرى من الخديعة، والبحث ما زال، في بداية الطريق، حيث ستكشف في الأيام القادمة حالات أخرى، وحسب ما صرح به الناطق الناطق الرسمي للتحالف اليميني: "هناك دلائل في حوزة المعارضة، ستكشف عن المئات من هذه الحالات"، إذا لا يبالغ طبعاً ويضيف، "بل بالآلاف!".
بلا شك يشكل الكشف عن الحالات التي تسربت للعلن حتى الآن فرصة مناسبة بالنسبة للمعارضة التشيلية اليمينية لوضع موضوعة خرق حقوق الإنسان في زمن الديكتاتور التشيلي أغوستينو بينوشيت ليس موضع التساؤل وحسب، بل موضع الشك! وحسب المصادر الحكومية الرسمية بلغ عدد الذين قُتلو أو أعدموا رمياً بالرصاص بين أعوام 1973 (في أيلول منه، تاريخ الإنقلاب العسكري الذي قاده الجنرال بينوشيت ضد الحكومة الشرعية المنتخبة آنذاك، حكومة الوحدة الشعبية بقيادة الرئيس سلفادور أليندي) وحتى عام 1990 (تاريخ تصويت التشيليين في إستفتاء عام على نهاية الديكتاتورية) بلغ حوالي 3195 ضحية، فضلاً عن ذلك، هناك (وحسب الإحصائيات الرسمية ذاتها) أكثر من ألف ضحية يُعدون في حكم المفقودين. السكرتير السابق للجيش التشيلي، الجنرال "غييرمو غارين" المحسوب على معسكر اليمين، صرح قبل أيام للصحيفة الأسبانية الواسعة الإنتشار، الباييس، بأن الأدلة الجديدة تبين، "بأن من حق المرء أن يشك أكثر بكل ما قيل وكُتب عن المفقودين، وهو يريد تبرئة رئيسه السابق الجنرال بينوشيت، لأنه على قناعة تامة، بأن بينوشيت "بريء من الناحية الواقعية"!
الحكومة التشيلية الحالية التي تتشكل من تحالف يسار الوسط لم تكذب ما جاء في الصحافة، بل على العكس: "نعم نعرف بوجود هذه الحالات"، كما صرح الناطق الحكومي الرسمي للجريدة الأسبانية المذكورة، الباييس، "حتى الآن الرقم بسيط، ولا يشكل ظاهرة بالطريقة التي يتحدث عنها اليمين". ولم يعد الأمر خافياً على أحد، أن الحكومة التشيلية أيدت من طرفها حصول حالات من الخديعة، وهي تعرف بوجود ثلاث حالات فقط بهذا الخصوص، إستغل فيها بعض المتطفلين القانون الذي اصدرته الحكومة بدفع التعويضات لضحايا النظام الديكتاتوري، حيث سارع ذوو بعض العائلات الى تسجيل أفراد عائلتهم المفقودين، بصفتهم مفقودين أصلاً في زمن الديكتاتور بينوشيت.
كارلوس باتريسيو روخاس كامبوس مثلاً، كان أحد الناشطين المعروفين في الحزب الشيوعي التشيلي، شوهد للمرة الأخيرة في منتصف عام 1977، في قمة سنوات الملاحقات والمطاردات والإعتقالات، قبل أن يختفي ولم يعد يُعرف مصيره. أسمه هو الآخر ظهر مسجلاً في قائمة ضحايا النظام الديكتاتوري السابق، بالضبط في تلك القائمة التي صاحبت أمر إلقاء القبض الدولي الذي أصدره قاضي التحقيق الأسباني المشهور بالتازار غارسون ضد الجنرال التشيلي بينوشيت عام 1988. لكن كارلوس باتريسيو روخاس كامبوس عاش في الحقيقة كل هذه السنوات متخفياً أو منتحلاً تحت إسم شخصية أخرى في العاصمة الأرجنتينية بوينيس آيريس، وهناك أسّس عائلة جديدة. أما في ما يتعلق بالنقابي التشيلي النشط والذي ساهم في إضرابات عمالية عديدة زمن الديكتاتور التشيلي السابق، المدعو "إيفان بالسيو" والذي كان هو أيضاً على قائمة "المفقودين"، فقد تبين أنه لم يمت في إحدى زنازين التعذيب التي إنتشرت في كل المدن التشيلية في زمن الديكتاتور، بل مات متشرداً بلا مأوى في أحد شوارع العاصمة التشيلية سانتياغو عام 2006. لكن تظل أكثر الحالات شواذاً، هي حالة المدعوة "إيمبيراتريتز ديل ترانسيتو فياغران" والتي كانت على قائمة المفقودين، رغم أنها وللمفارقة ماتت في عام 1955 قبل 18 عاماً من بداية الديكتاتورية أصلاً! ولكن 3 أو 6 حالات لا يمكن أن تلغي الماضي الأسود لنظام ديكتاتوري أناخ على رقاب التشيليين سنوات طويلة، وكان أحد أشهر ضحاياه الذين ماتوا في زنازين التعذيب، ليس غير والد الرئيسة التشيلية الحالية: ميشيلا باشيليت!




















