بعد ما حسمت محكمة العدل الدولية قضية ترسيم حدود منطقة أبيي بالسودان المتنازع عليها بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان بقرارها الملزم لجميع الأطراف والذي وجد الترحيب الحار سودانيا وعربيا ودوليا فإن المطلوب تحويل هذا الترحيب والالتزام من قبل الطرفين إلى واقع عملي ينهي كل الخلافات ويعيد المنطقة إلى ماضيها السابق حيث التعايش السلمي بين الدينكا والمسيرية بعيدا عن لغة الغالب والمغلوب والتي يجب عدم السماح بها لأنها تؤجج الفتنة النائمة.
من المؤكد أن المحكمة وبقرارها النهائي والملزم قد حسمت كل الخلافات حول ابيي ووضعت الطرفين، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية امام امتحان واختبار عملي لتحقيق التعايش السلمي بين مكونات المجتمع بالمنطقة من أجل سلام دائم ولذلك فان هذا القرار يعد البداية الحقيقية لتنفيذ اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب بالانطلاق من ابيي التي يجب ان تكون منطقة نموذجية للتعايش وان ذلك يستلزم الالتزام الكامل بقرار المحكمة وتنفيذ بروتوكول ابيي بتسريع ترسيم الحدود وتكوين فرق عمل مشتركة لتنوير القيادات المحلية بأهمية التعايش المشترك وقبول القرار.
ان تنفيذ قرار محكمة العدل الدولية مسؤولية مشتركة للطرفين وان ذلك لن يتم الا باشراك مكونات المجتمع المحلي بمنطقة ابيي في المسؤولية باعتبار انها المعنية اصلا بالقضية خاصة في جوانبها الامنية عبر التأكيد على أهمية ان تكون منطقة ابيي انوذجا للسلام والمصالحة والتعايش السلمي في السودان خاصة انها كانت ولاتزال تمثل بوتقة قبلية متجانسة تعيش على تقالىد واعراف مشتركة جعلت من الصعب التفريق بينها خاصة انها ارتبطت بروابط الدم والمصاهرة.
من المهم ان يدرك الطرفان أن المحكمة قد حسمت كل الخلافات الخاصة بترسيم حدود ابيي شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وانها اعتمدت في قرارها على معطيات واضحة ولم تظلم اي طرف ولذلك يجب ألا ينظر الى القرار من زاوية المنتصر او المهزوم، فابيي سواء كانت تابعة للجنوب أو الشمال فهي ارض سودانية وان المطلوب الحفاظ على الهوية السودانية فيها بجعل وحدة السودان جنوبا وشمالا شعارا جاذبا وهذا لن يتم الا من خلال تحويل ابيي الى منطقة نموذجية للتعايش السلمي بعيدا عن حساسيات وحسابات الربح والخسارة لأي من الطرفين.
ان قرار المحكمة يقدم فرصة جديدة للطرفين، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ليؤكدا من جديد فيها شراكتهما الاستراتيجية وان ذلك لن يتم الا من خلال العمل والتأكيد ان تظل ابيي منطقة تلعب دورها المحوري كجسر للتواصل بين الشمال والجنوب لا مدخلا لحرب جديدة لان الجميع يدركون ان حسنات السلام تفوق تكالىف الحرب وان السودان يجب الا يدخل في حرب جديدة مهما كانت الأسباب .
وان قرار المحكمة حول ابيي حسم قضية عدم العودة للحرب ووضع اطارا جديدا للتعايش بين الشمال والجنوب تمثل في ترحيب كل الاطراف به وانه يجب استثمار ذلك لصالح الوحدة لا لصالح الانفصال.




















