عباس إسماعيل
المستقبل –
افتتح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو اسبوعه السياسي بهجوم مضاد على مرمى الإدارة الأميركية لتسجيل هدف معنوي وسياسي في شباك واشنطن، واختتمه بتسجيل هدف في مرماه الائتلافي. وفي كلتا الحالين، لا يُتوقع للأهداف التي سُجلت أن تحسم نتيجة اللعبة النهاية، ذلك أن الشوط الأميركي ـ الإسرائيلي لا يزال في بداياته، ويتوقع أن يشهد تطورات ومفاجآت، تقلب النتيجة رأسا على عقب، فيما مجريات اللعب على الحلبة الداخلية تبدو واضحة ومحسومة النتائج رُغم الخلل الذي شابها، إلا إذا تلكأ نتنياهو عن معالجة الشدوخ التي ظهرت في بنيانه الائتلافي.
نتنياهو ـ أوباما
على الملعب الأميركي ـ الإسرائيلي، بادر نتنياهو مطلع الاسبوع إلى إطلاق مواقف متعددة الرسائل والاتجاهات، ردا على مطلب أميركي بعدم البناء في أحياء القدس الشرقية. وعلى الرغم من أن المطلب الأميركي جاء بصيغة التمني، وتم بنبرة هادئة وغير معلنة، إلا أن نتنياهو فضّل الرد على هذا المطلب بما لا يتناسب مع حقيقته مضمونا وأسلوبا، الأمر الذي دفع الكثير من المراقبين إلى الاعتقاد أن نتنياهو تعمد تصعيد الخلاف مع الإدارة الأميركية وتظهيره إلى العلن، في هذه المسألة خصوصا، أي مسألة البناء في القدس، لاعتقاده أن اللعب بورقة الخلاف حول القدس سيكون مربحا له ويضمن له تحقيق جملة من المكاسب الشخصية والسياسية، أهمها إظهار زعامته الشخصية والسياسية في مواجهة الإدارة الأميركية والظهور بمظهر الزعيم القوي الذي يدافع عن " المصالح القومية" لإسرائيل ويرفض المساومة عليها، متسلحا بموقف إسرائيلي شبه إجماعي حول القدس، ومنطلقا منه لإعادة رسم خارطة الخلاف مع الإدارة الأميركية بصورة مريحة له من خلال نقل كرة الخلاف مع الإدارة الأميركية من حلبة المستوطنات في الضفة الغربية وموضوع البناء فيها، إلى حلبة القدس، والهدف من ذلك هو إحراج الإدارة الأميركية أمام مجلسي الشيوخ والنواب في الولايات المتحدة، وأمام اللوبي اليهودي الأميركي، ومحاولة دفع هؤلاء إلى ممارسة الضغط على إدارة أوباما، وتأمين أكبر التفاف إسرائيلي ـ داخلي ممكن حوله بسبب دفاعه عن " السيادة الإسرائيلية في القدس"، والاستفادة من هذا الالتفاف داخليا وخارجيا.
وفي تقويم أولي لحصيلة المناورة التي نفذها نتنياهو، يمكن القول إنه على الرغم من اختيار رئيس الوزراء الاسرائيلي ساحة المناورة وموضوعها وتوقيتها، إلا أنه لا يتوقع لها انتشاله من الأزمة السياسية التي يعانيها تجاه المجتمع الدولي، كما لا يتوقع لها أن تقيه سهام النقد الداخلية. فالإحراج الذي أراد نتنياهو إدخال الإدارة الأميركية فيه، سرعان ما انقلب عليه من خلال دخول المجتمع الدولي، ولا سيما روسيا والاتحاد الأوروبي، على خط الأزمة، والانضمام إلى الإدارة الأميركية في مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان في القدس، الأمر الذي أوحى بأن محاولة نتنياهو تأمين إجماع يهودي ـ إسرائيلي حول مواقفه السياسية، انتهت بإجماع دولي معارض لمواقفه. وفي الداخل الإسرائيلي، كانت مواقف نتنياهو موضع انتقاد إعلامي وسياسي شديدين، على خلفية تعريضه المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية للضرر والخطر من خلال مفاقمته للأزمة مع الولايات المتحدة والتي تشكل العلاقة معها مدماكا اساسيا وجوهريا في البنيان الإسرائيلي. وفي جميع الأحوال، يتوقع أن يشهد الاسبوع المقبل مزيدا من الوضوح في صورة الوضع بين الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو في ظل الزيارات التي سيقوم بها عدد من كبار المسؤولين الأميركيين إلى إسرائيل.
نتنياهو والإئتلاف الحكومي
داخليا، لاقى نتنياهو هزيمة في الكنيست الأربعاء الماضي، والتي تمثلت في عدم تمكنه من تأمين الغالبية البرلمانية المطلوبة لإقرار قانون الإصلاح في مديرية أراضي إسرائيل. ويمكن القول إنه منذ تشكلت الحكومة الإسرائيلية قبل نحو أربعة اشهر لم يبدلُ ائتلاف نتنياهو بهذا القدر من الوهن وعدم الاستقرار. فهذا الائتلاف يعاني صراعات سياسية داخلية وفوضى في الانضباط، ظهرت معالمه بوضوح من خلال تغيب عدد من الوزراء في الحكومة، بمن فيهم وزراء حزب العمل والنائب الاول لرئيس الحكومة موشيه يعلون، اثناء التصويت، وغياب أعضاء كنيست من كتل الائتلاف، بحيث لم يبقَ لنتنياهو مفر غير تأجيل التصويت على الاصلاحات الى موعد لاحق، مع التهديد بأنه هذه المرة سيقيل الوزراء ونواب الوزراء الذين يمتنعون عن تأييد القانون الآيل إلى إدخال إصلاحات على مديرية أراضي إسرائيل.
ويشارإلى أن عمق الخيبة التي أُصيب بها نتنياهو لا تتعلق فقط بفشله في تأمين الأغلبية البرلمانية لقانون طرحه الائتلاف الحكومي الذي يتمتع بأغلبية برلمانية من 74 عضو كنيست، بل لان القانون موضع الخلاف يُعتبر "الطفل المدلل" لنتنياهو وأحد الوعود الانتخابية الهامة له، وقد سبق لكل الكتل الائتلافية أن وقعت عليه في الاتفاقات الائتلافية التي سبقت تشكيل الحكومة، هو ويهدف إلى خصخصة الأراضي التي تديرها "دائرة أراضي إسرائيل" وهي أراضي فلسطينية بملكية خاصة وعامة، صادرتها "الدولة"، وأصحابها ما زالوا ينتظرون عودتهم إليها. وينص القانون على خصخصة 800 ألف دونم تديرها دائرة الأراضي على مراحل، ويعترض اليمين الإسرائيلي على هذا القانون من منطلقات أيدلوجية ويبررون موقفهم بأن القانون "ينزع ملكية شعب إسرائيل على أراضي إسرائيل".
في اعقاب الفشل جمع نتنياهو مستشاريه ووزرائه واعرب عن خيبة أمله من معارضة الوزير يعلون. بعد ذلك اتصل بوزير الدفاع ايهود باراك الذي يستجم في باريس واحتج على مسمعه على سلوك حزب العمل، فوعده باراك بأنه سيحرص على ان يصوت الوزراء ونواب الوزراء من حزبه على التعديل في المرة القادمة مع الحكومة، أما وزير العلوم، الحاخام دانييل هيرشكوفتس من "البيت اليهودي" فقال انه سيحاول ايجاد حل وسط يسمح لكتلته بتأييد القانون في التصويت المقبل.
لكن ما ينبغي تأكيده في هذا المجال، هو أنه على الرغم من الضربة التي تلقاها نتنياهو، وعلى الرغم من الأجواء الاحتفالية التي عمت مقاعد المعارضة في الكنيست، ومن التشبيهات والأوصاف الكثيرة التي أُطلقت على هذه الضربة، والتي وصلت إلى حد وصفها بأنها "يوم غفران" بالنسبة للائتلاف، في إشارة إلى الضربة التي تلقتها إسرائيل في حرب العام 1973، والقول بأنها مست قدرة الردع لدى نتنياهو، وغيرها من التوصيفات، إلا ان ثمة إجماعا في إسرائيل على أن نتنياهو سينجح في نهاية المطاف من إقرار هذا القانون، الذي سيُعرض وفق التقديرات بعد عشرة أيام تقريبا، بعد أن يعمل على سد الثغرات التي ظهرت خلال الجولة السابقة والتي تتحمل غالبية مكونات الائتلاف الحكومي المسؤولية عنها، وعلى رأسها نتنياهو نفسه، بسبب الإعداد السيئ الذي اظهره وفريقه، وبسبب حالات التمرد التي ظهرت في صفوف الليكود، فضلا عن سلوك حزبي العمل والبيت اليهودي.
وما يزيد قدرة نتنياهو على تمرير قانونه المفضل، هو امتلاكه عدة أوراق قوة يستطيع من خلالها ممارسة الضغط على حلفائه، لا بل ممارسة الابتزاز معهم، بدءا من التهديد بإقالة الوزراء المعارضين، مرورا بفرض "الانضباط الكتلوي" على أعضاء كتلته البرلمانية، وصولا إلى تهديده شركاءه في الائتلاف الحكومي بوقف مسيرة إقرار عدد من مشاريع القوانين المعنيين بها، وتهديده المعارضة أيضا بالمبادرة إلى سن عدد من القوانين التي بسببها قاطعت المعارضة جلسات الكنيست قبل اسابيع، واهمها قانون "موفاز" الذي يسمح لأي مجموعة تضم سبعة اعضاء كنيست الانشقاق عن حزبها الأم وتشكيل كتلة جديدة، وهو القانون الذي يرمي نتنياهو من ورائه شق حزب كديما من خلال توفير الأجواء القانونية المناسبة لانشقاق معسكر شاؤول موفاز عن "كديما".
لكن الثقة بقدرة نتنياهو على إدخال الاصلاحات على القانون المتعلق بـ"دائرة أراضي إسرائيل" ، لا تمنع طرح البعض لبعض التساؤلات المفخخة، أجملها المحلل السياسي في معاريف بن كسبيت بالقول: "كيف يمكن لمن لا يستنطيع تمرير قانون ضريبة القيمة الاضافية على الفواكه والخضر وتوسيع خطة فيسكونسين وتمرير الميزانية من دون اخفاقات او المصادقة على اصلاح في الاراضي، كيف يمكن له أن ينجح في قيادة إسرائيل الى السلام؟ هذا بالنسبة للسلام فماذا سيحدث ان اندلعت الحرب؟ هذه ليست مسألة سياسات ولا قضايا يسار ويمين، وانما قضية قيادة وسلوك قيادي. لا أحد يكره نتنياهو. المشكلة هي أن احدا لا يخشى منه. العواطف في هذه المرحلة تعتبر رأفة. رئيس الوزراء الذي يشفقون عليه لن ينجح".




















