سميح صعب
ليس الاستمرار في الاستيطان هو العقبة الوحيدة التي تواجه الرئيس الاميركي باراك اوباما في تعامله مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. إذ هناك ايضاً محاولات الادارة الاميركية لإحياء المسارين اللبناني والسوري من ضمن اعتقاد ان إطلاق المفاوضات على المسارات الثلاثة من شأنه ان يسهل التوصل الى تسوية شاملة للصراع العربي – الاسرائيلي.
وتنطلق ادارة اوباما في تحركها الجديد نحو سوريا من ضمن الديبلوماسية الاميركية الجديدة القائمة على الحوار مع الدول التي لا تملك التوجهات نفسها للولايات المتحدة بعدما ثبت ان سياسة العزلة التي اتبعتها ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش لم تؤت ثمارها.
بيد ان رؤية نتنياهو المختلفة عن رؤية اوباما لا تشكّل عاملاً مساعداً في هذا الاتجاه. فالمسؤولون الاسرائيليون يكررون يومياً شروطهم لمعاودة التفاوض مع سوريا، فضلاً عن وضع عقبات "قانونية" امام أي احتمال محتمل للانسحاب من هضبة الجولان.
وكما اعلنت تل ابيب ان تركيا لم تعد وسيطاً يتمتع بالصدقية للاضطلاع مجدداً بدور في المفاوضات غير المباشرة، فإن العقبات توضع ايضاً امام إنطلاق المسار السوري. وإلا ماذا يمكن تفسير المطالبة المسبقة لسوريا بقطع علاقاتها مع ايران و"حزب الله" و"حماس" للقبول فقط بالجلوس معها من دون أي تعهدات بالانسحاب الكامل من الاراضي السورية المحتلة؟
والى ان ييأس اوباما من بذل مزيد من الجهود على المسار السوري، فإن اسرائيل تلجأ الى المناورة عبر ترديدها أن الاولوية يجب ان تُعطى للمسار الفلسطيني، في حين انها لا تقدم فعلياً أي تنازل حقيقي للاقلاع بمفاوضات الوضع النهائي، لا بل ان حكومة نتنياهو توجّه اللوم الى ادارة اوباما لأنها تصر على الحصول على قرار اسرائيلي بتجميد الاستيطان قبل التفاوض مع الفلسطينيين، في حين ان الوضع لم يكن كذلك مع حكومة ايهود اولمرت السابقة التي قبل الفلسطينيون التفاوض معها على رغم استمرارها في الاستيطان.
واحياناً أخرى تناور اسرائيل بالايحاء أنها مستعدة للتنازل على المسار اللبناني من خلال ارسال اشارات متضاربة الى استعدادها للانسحاب من الشطر الشمالي لقرية الغجر، او درس القبول بوضع مزارع شبعا في عهدة القوة الدولية، او عبر القول بأن المسار اللبناني هو اسهل المسارات ويجب الانطلاق منه الى بقية المسارات.
انها اللعبة الاسرائيلية القديمة الجديدة التي تعتمد المراوغة عند الاستحقاقات الجدية. فالحكومات الاسرائيلية المتتالية منذ مؤتمر مدريد عام 1991 تمكنت من استخدام لعبة المسارات بمهارة كي تتهرب من دفع الثمن في أي استحقاق. ففاوضت الفلسطينيين اكثر من 17 سنة من دون التوصل حتى الآن لإقامة الدولة الفلسطينية التي كان يطمح الفلسطينيون الى اقامتها عبر التفاوض عندما قررت منظمة التحرير الفلسطينية استعادة الحقوق بالوسائل السلمية. والانسحاب من الجولان لم يتحقق، ولبنان لا تزال أجزاء منه محتلة وسيادته منتهكة كل يوم عبر التحليق المستمر للمقاتلات الاسرائيلية في اجوائه مضافة اليها الخروق البرية الجديدة.
لذا فإن العودة الى لعبة المسارات لاحتواء تحرك اوباما من اجل ايجاد تسوية للصراع العربي – الاسرائيلي، هي الاحتمال الاكثر ترجيحاً. وتراهن اسرائيل على ان عامل الوقت كفيل بجعل الفلسطينيين ييأسون من المطالبة بدولة تضيق مساحتها يومياً بفعل توسّع الاستيطان. كما ان الشروط المسبقة التي يفرضها الاسرائيليون على سوريا لا تسمح لدمشق بالتفاوض معهم، في حين يعلمون ان لبنان لن يدخل في مفاوضات منفردة.
ومن خلال لعبة التيئيس والكلام على المفاوضات والسلام تستعد اسرائيل للحرب ولتشريع الامر الواقع. وكم من حرب شنّت اسرائيل على لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة في ظلال ما يسمى عملية السلام.




















