حسام عيتاني
قارئ الصحف والمواقع الاخبارية الاميركية، يكاد يشعر بأنه محاصر في هذه الايام بين قضيتين لا ثالث لهما: الازمة الاقتصادية وتداعياتها من جهة ومشروع الرئيس باراك اوباما لاصلاح النظام الصحي في الولايات المتحدة وردود الفعل عليه.
ولئن كان في وسع المتابع العربي تلمس اهمية معالجة الشأن الاقتصادي، خصوصاً ان مظاهر التعسر الشديد في مجالات الاعمال والاقتصاد انتشرت على امتداد العالم، فقد تبدو، من الخارج، الأسباب التي دفعت اوباما الى إدخال تغييرات شاملة ومبهمة على النظام الصحي الاميركي.
معلوم ان النظام الصحي في الولايات المتحدة يعد من بين الأضعف اداء بين الانظمة المشابهة في الدول الصناعية الكبرى (ربما لا ينافسه في الضعف سوى النظام البريطاني). وبغض النظر عن الاكتشافات الطبية الكبيرة التي يقدمها العلم الاميركي في مجالات الادوية والعلاجات المختلفة وإدخال التكنولوجيا الرقمية بكثافة الى المجال الطبي في عقد التسعينات، إلّا ان الأميركيين العاديين، من الطبقات المتوسطة وما دون يشكون من التكاليف الباهظة للعلاج ومن تسليع القطاع الصحي برمته بحيث باتت شركات التأمين تقبض على خناق متوسطي الحال والفقراء العاجزين عملياً عن الاستفادة من الانجازات التي يحققها الطب في الأبحاث المخبرية.
والحال ان الوضع هذا غير جديد، بل لقد حاول الرئيس السابق بيل كلينتون وزوجته، وزيرة الخارجية الحالية، هيلاري، في مستهل التسعينات فرض تعديلات جوهرية على النظام. لكنهما فشلا بسبب تكاتف مؤسسات التأمين مع الصناعات الدوائية والعلاجية المختلفة، فسقط مشروع الإصلاح في مراحل مبكرة من البحث فيه.
يرى اوباما اليوم ان الحالة العامة في البلاد مؤاتية لإعادة طرح البرنامج بعد إدخال تعديلات ملموسة عليه، لناحية التمويل وتوسيع قاعدة المستفيدين منه، على طاولة البحث تنفيذاً لوعد قطعه اثناء الحملة الانتخابية. وشدد اثناء مؤتمر صحافي عقده قبل يومين على ان اصلاح النظام الصحي سيعود على الاميركيين بالفائدة وسيساهم في تعزيز الاقتصاد، نافياً وجود نية في تمويل البرنامج من ضرائب جديدة تفرض على الأسر المتوسطة الدخل وان لم ينف امكان زيادة الضرائب على العائلات التي يفوق دخلها مليون دولار سنوياً في سبيل توفير التمويل اللازم.
ثمة ملاحظة يتعين تسجيلها وتتلخص في ان الشكوى الدائمة من الحالة التي يمر بها القطاع الصحي الاميركي، لا تضعه في مصاف الانظمة الصحية في العالم الثالث، على ما يلمح بعض النقاد الاميركيين. بل ان حالة المؤسسات الصحية هناك تظل افضل من مثيلاتها في بعض الدول النامية التي تتمتع بمداخيل كبيرة من النفط.
اهمية الخطوة التي يربط اوباما مستقبل رئاسته بها، تنعكس في بلادنا العربية انكشافاً للتدني في الاهتمام بما يتجاوز الشأن السياسي المباشر بمعنى استمرار الامساك بالسلطة وما يدور في فلكها من شؤون. لا يهم في الاطار هذا تضخم الموازنات الصحية في العالم العربي التي يذهب جزء كبير منها الى ادارة العجلة البيروقراطية ومسالك الفساد المألوف، بل الجدير هو الموقع الذي تحتله مسائل من نوع الصحة والتعليم في اهتمام السلطات السياسية، ليس فقط لناحية الموازنات ورصد الاموال، بل لناحية المردودية والإعداد للعيش في العصر من خلال رعاية صحة المواطن العربي وتزويده بعلم نافع.




















