حازم صاغيّة
قدّمت البرازيل، قبل أيّام، نموذجاً عن التعامل بين الجيران و»الأشقّاء» ليس من طبائع بلدان «العالم الثالث». ففي هذه الأخيرة، يقول العرف السائد إن القويّ يعيش بقوّته ويعامل الأصغر منه بموجب فارق القوّة بينهما.
البرازيل الجبّارة (182 مليون نسمة) تصرّفت على نحو معاكس تماماً مع باراغواي (7 ملايين). هذا، على الأقلّ، ما يشير إليه تعاطي حكومة الرئيس لولا دا سيلفا مع سدّ إيتايبو، أكبر سدود العالم في توليد الطاقة، والذي تعود ملكيّته، بقسمة متساوية، إلى البلدين.
فقد سلّمت البرازيل، بعد مفاوضات دامت أشهراً، بسيادة الباراغواي على السدّ، ووقّع لولا ورئيس الباراغواي فيرناندو لوغو وثيقة من 31 نقطة في هذا المعنى.
ولتقدير حجم ما حصل، يكفي التذكير بأن السدّ الذي افتُتح في 1984 تنتج مولّداته العشرون 14 ألف ميغاوات من الطاقة، 90 في المئة منها تستخدمها الصناعات البرازيليّة. ولأن العائد الموعود كبير، كانت البرازيل الضامن للقروض التي استُخدمت في بناء السدّ، وهي التي كمّلت المبلغ بعدما دفع كلّ من البلدين مئة مليون دولار.
والباراغواي كانت شديدة التذمّر من اتّفاقيّة حُملت على توقيعها مع البرازيل في 1973، أي قبل عقد ونيّف على تدشين السدّ، حين كان العسكريّون يحكمون البلدين وكانت القوّة تملي منطق العلاقات الثنائيّة. فقد قضت الاتفاقيّة المذكورة بأن تبيع الباراغواي ما لا تستخدمه من طاقة كهربائيّة إلى البرازيل بسعر تمّ تثبيته، لا يعاد النظر فيه حتّى انقضاء العمل بالاتّفاقيّة في 2023. أمّا البرازيل فتدفع، في المقابل، مبلغاً تعويضيّاً هزيلاً بقياس ما تغنمه، هو 124 مليون دولار سنويّاً.
هكذا بات السدّ محكوماً بالخضوع لتلك الاتّفاقيّة التي سبقت نشأته. والأمور زادت سوءاً في 1985 حين وافقت الباراغواي على طلب برازيليّ ببيع كهرباء إيتايبو بسعر هو دون سعر السوق لمواجهة الأزمة الاقتصاديّة آنذاك في البرازيل. وعلى امتداد أربع سنوات راح المشروع يخسر 4 دولارات مقابل كلّ ميغاوات ينتجه من الكهرباء، وكان على الباراغواي مجبرةً أن تتحمّل، ما رتّب على البلد ديوناً كان في غنى عنها حائلاً دون إكمال العديد من مشاريع البنى التحتيّة فيه. وما ضاعف البشاعة أن المقرض الأساسيّ كان «إليكتروبراس»، أي شركة الكهرباء التي تملكها الدولة البرازيليّة التي هي أيضاً شاري الكهرباء الأساسيّ من إيتايبو.
كلّ هذا غيّرته حكومة لولا وسياساتها. والمراقبون المتابعون لشؤون أميركا اللاتينيّة يرون وراء ذلك ما يتعدّى تعاطف الرئيس البرازيليّ مع زميله المطران السابق فيرناندو لوغو. ذاك أن لولا الذي لا يكتم رغبته المشروعة في انتزاع دور قياديّ لبلده في قارّتها، يرى أنّ دوراً كهذا يُنال بالسخاء حيال الجيران الأصغر وتقديم التنازلات لهم. فمن يقود دولاً مفقرة وعاجزة، لا يقود شيئاً في آخر المطاف. ومن يقود بالقوّة والإكراه لا يفعل إلاّ تعزيز حقد المغلوب على أمره، والذي قد تواتيه في الغد فرص لا يكون بعدها مغلوباً.
إن لولا يدخل مفهوم «النموذج» في علاقات الجوار. وهذا درس لنا في منطقة من العالم تخلو من النماذج فيما يُمارَس الجوار فيها بالغلبة والغلظة.




















