تواجه إدارة الرئيس الأميركيّ باراك أوباما تحدّياً فعليّاً في منطقة الشرق الأوسط، تحت عنوان "إحياء عمليّة السلام". يتزامن ذلك مع تحدّيين أساسيين آخرين هما ترتيب الوضع في العراق، ومعالجة الملف النووي الإيرانيّ.
وسط هذه المحدّدات الثلاثة، يحتلّ المشروع "الإحيائيّ" للسلام أهميّة خاصة، كونه المدخل الوحيد لتبديل فعليّ في سياسة سوريا. فالمقترح على المنطقة الآن تجاوز ثنائية "إعتدال وممانعة" إلى ثنائية أطراف راغبة ومساهمة في "إحياء عملية السلام" تقابلها أطراف متضرّرة من هذا "الإحياء" أو معترضة عليه.
لا شك أن تجاوز ثنائية "إعتدال وممانعة" على أساس هذا الأفق "الإحيائيّ للسلام" ما زال مبكراً بعض الشيء، خصوصاً أن التصوّرات العامة الأميركية كما طرحها الرئيس أوباما، أو كما أبرزها مبعوثه الخاص لأجل السلام في المنطقة جورج ميتشل، لم تصل بعد إلى الدرجة المطلوبة من الإحاطة والوضوح، ومن الجهوزية لفرض ضغط متلازم على كل الأطراف.
مع ذلك، فإن عناصر إعادة خلط الأوراق على قاعدة "إحياء مشروع التسوية" هي عناصر باتت متوفّرة منذ اليوم، ونكاد نقول منذ "ما بعد العدوان على غزّة"، هذا العدوان الذي كشف أهمية إعادة إلتقاط عصب التسوية، من قبل العرب، وعلى أساس تواصلهم مع الميل المتعاظم لدى الإدارة الأميركية الديموقراطية في هذا الإتجاه، لأنّ البديل عن هذا العصب، ليس إلا المزيد من المآسي، والمزيد من تفتت البنيان الوطنيّ الفلسطينيّ، والمزيد من تفتت كيانات الطوق.
وما يدعو الى التفاؤل أنّ لبنان يقدّم بمواقف رئيس جمهوريته نموذجاً يحتذى لهذا الميل المستقبليّ إلى تجاوز "ثنائية إعتدال وممانعة" نحو الموقف "الإحيائيّ" لعملية السلام، على قاعدة مبادرة السلام العربيّة التي لعب الرئيس ميشال سليمان دوراً مركزياً إبان حرب غزّة للدفاع عنها من موقع مميّز، وأيضاً على قاعدة البحث الدؤوب عن نقاط مشتركة بين "المعتدلين والممانعين" بما يعود لخير "تحسين شروط" الدخول العربيّ في إعادة تأهيل مشروع التسويّة الإقليميّة.
لأجل ذلك، فإن كان ثمّة بالفعل إمكان لتجاوز الإنقسامات الحادّة بين "8 آذار" و"14 آذار"، أي بين الفرع اللبنانيّ للممانعة والنموذج اللبنانيّ للإعتدال، فإن الشرط اللازم لذلك هو الإنفتاح على روحيّة "إحيائيّة لعملية السلام".
وليس من المبالغة القول إن لبننة المشروع "الإحيائيّ" للتسوية الإقليمية هي من شروط الوحدة الوطنية بين اللبنانيين اليوم.
بل انّ "إحياء السلام" يمكنه أن يؤمّن عرضاً ثميناً لإنجاز تسوية داخلية لبنانية، والرابط هنا هو القرار 1701، الذي يشكّل تحصينه والتحصّن خلفه أوفر ضمانة سواء للوحدة الوطنية اللبنانية، أو للمواكبة اللبنانية للآفاق "الإحيائية" لعملية التسوية، وعدم السماح بأن يكون لبنان "منصة صواريخ" من أي نوع لتحريف الآفاق الإحيائية للتسوية.
قد يعني ذلك أنّه ربما كانت من حاجة لإدخال تعديلات في المفردات والمقولات التي كانت تستخدم في السنوات الماضية، وفي إطار الأزمة الداخلية، إلا أنّه لا وجاهة لأي تعديل جدّي في هذا الإطار ما لم يتنبه إلى أهميّة تحدّي "إحياء عملية السلام" بالنسبة إلى هذه الإدارة الأميركية بالتحديد، وإلى إرتباط الحديث "الإحيائيّ" اليوم بقناعة بدأت تتوفّر في مراكز القرار العالميّ، بأنّه قد آن الآوان لتسوية "نهائيّة" للصراع العربيّ الإسرائيليّ، وأنّ هذه التسوية ستكون بشكل أو بآخر كناية عن تصوّر أميركيّ دوليّ يبلور في الأشهر المقبلة، ويجري "تسويقه" أو فرضه، على اللاعبين الإقليميين في المنطقة، ويدخل من ضمن ذلك دخول أميركا في مرحلة ضغوط جديّة تمارس على حكومة بنيامين نتنياهو، والمعيار العمليّ الأوليّ لذلك هو معركة تجميد الإستيطان في الضفّة الغربية.
قبل عقود، توقّع المؤرخ الأميركي والتر لاكور بأن لا تكون نهائية الصراع العربيّ الإسرائيلي نتيجة لنصر كاسح من جانب على جانب، ولا نتيجة احتساب نفعيّ من الجهتين للمصلحة في السلم، وإنّما نتيجة للإفراط في الاعياء والضجر من القبوع في المتاهة نفسها. مثل هذا الإفراط في العياء ربّما كان يوفّر مساحة لإعادة تأهيل جدّي لمقال التسوية، اللهم إن كان الإعياء من الحرب هو إعياء من السلام أيضاً، وحينها لن يكون في جعبة منتظري السلام إلا مفاوضات غير مباشرة ولا مجدية بين اسرائيل وسوريا جيلاً في إثر جيل.




















