بينما كان الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس الشورى لولاية ثانية مدتها اربع سنوات، متعهداً ألا يكون "حاكماً مستبداً"، كانت قوى الأمن تشتبك مع عشرات من المتظاهرين الذين كانوا يهتفون: "الموت للديكتاتور" في الطرق المؤدية إلى مبنى المجلس. وفي حين امتنع معظم الدول الغربية عن تهنئة الرئيس الإيراني، تراجع الناطق باسم البيت الأبيض روبرت غيبس عن تصريحه الثلثاء بأن احمدي نجاد هو "الزعيم المنتخب" لبلاده.
وفي جلسة التنصيب التي قاطعها رموز المعارضة وحضرها سفراء أوروبيون بينهم الفرنسي والبريطاني والأسوجي الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، قال الرئيس الإيراني إن "ملحمة الانتخابات الرئاسية في 12 حزيران هي بداية تغييرات مهمة في ايران والعالم. يمكن إدراك الحجم العظيم للمشاركة الحماسية للشعب في الانتخابات الاخيرة، من خلال مدى استياء الاعداء وغضبهم، وفي الحقيقة، إن التصويت الاخير للشعب، كان لمصلحة استمرار طريق الثورة ومسيرة السنوات الاربع الاخيرة، والخطاب القيمي المبني على التطبيق القاطع للعدالة والدفاع عن المظلومين والمقاومة امام المستكبرين". واضاف :"سنقاوم الاستكبار وسنواصل العمل على تغيير الآليات التمييزية في العالم لمصلحة جميع الامم وسنبذل جهودنا لإصلاح المنظمات العالمية… علينا ان نضطلع بدور أساسي في إدارة العالم. لن نبقى صامتين. لن نتسامح مع عدم الاحترام والتدخل والإهانات. ولن نألو جهداً لضمان امن حدود ايران… وعلى المستوى الدولي نسعى الى السلام والأمن. ولكن لأننا نريد هذا لكل الإنسانية، فإننا نعارض الظلم والعدوان والعجرفة من بعض الدول".
ورأى ان بداية ولايته الجديدة "تجسد بداية عصر جديد من ازدهار الثورة الاسلامية ومرحلة جديدة من التغيير من أجل الانسانية. ان علينا ان نعرف مكانتنا، وان نعمل بواجبنا الالهي… الشعب الايراني كان له دوما دور في ازدهار الحضارة التوحيدية للبشرية، واليوم دخل بكل اعتداد الساحة ليؤسس حضارة جديدة ذات عناصر الهية وانسانية". ولفت الى ان الانتخابات ابرزت حرص المواطنين على "صون الثقافة الايرانية الاسلامية وضرورة استخدام الموارد الانسانية للبلاد، وحرية زعماء البلاد واستقلالهم عن أقطاب السلطة والثروة باعتبار ذلك أحد المطالب الرئيسية للجماهير، المواطنين".
وأبدى احمدي نجاد عدم اكتراثه لقرار واشنطن وعواصم غربية اخرى عدم تهنئته باعادة انتخابه، قائلاً أن الدول الغربية "قالت إنها تعترف بالانتخابات لكنها لن توجه رسائل تهنئة. معنى هذا السلوك. إنهم يرون الديمقراطية التي تخدم مصالحهم فقط، ولا يحترمون حقوق الشعب وأصواته، وهذا هو الامر الذي رفضه الشعب الايراني. واعلموا ان أحداً في ايران لا ينتظر رسائل تهانيكم، والشعب الايراني لا يرى أي قيمة لا لعبوسكم وتكشيركم، ولا لابتسامتكم وتهانيكم".
ولم يتطرق مباشرة إلى عرض الرئيس الأميركي باراك أوباما الحوار، لكنه شددعلى إن "إيران هي أمة المنطق والحوار والتبادل البناء. إن أساس سياستنا الخارجية يقوم على الاتصالات الواسعة والبناءة مع كل الأمم والحكومات المستقلة، وذلك استناداً إلى العدالة والاحترام والصداقة".
وفي ما بدا إشارة إلى الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد بعد الانتخابات، ذكر ان المسؤولين الغربيين "أثاروا الكثير من التساؤلات وحاولوا التحدث عن مستقبل قاتم". وأكد ان حكومته "ستقاوم اي انتهاك للقانون والتدخل"، داعياً إلى الوحدة "وضم الأيدي ونحن نمضي قدماً لتحقيق أهدافنا". وتعهد "ألا يكون حاكما مستبداً وأن يحافظ على حرية المواطنين وكرامتهم".
وتغيب عن الجلسة الرئيس السابق علي اكبر هاشمي رفسنجاني الذي يرئس مجلسي الخبراء وتشخيص مصلحة النظام. كما لم يحضر رئيس مجلس الشورى السابق مهدي كروبي، وهو مرشح خاسر للانتخابات، والرئيس الاصلاحي السابق محمد خاتمي، فضلا عن قائد حركة الاحتجاجات الشعبية المرشح الخاسر مير حسين موسوي، والقائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي، وقد كان هو أيضاً مرشحاً للانتخابات عن معسكر المحافظين. وأورد موقع إصلاحي على شبكة الانترنت ان 13 نائبا اصلاحيا فقط من اصل 70 حضروا الجلسة. ويتألف مجلس الشورى من 290 نائبا.
لاريجاني
ودعا رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني الحكومة الى استخدام النخب وتبني خطة واضحة والعمل في اطار القانون. وأشاد بالمشاركة الشعبية الكثيفة في الانتخابات التي تمثل "رصيداً للرئيس أحمدي نجاد وتتيح له الفرصة لتحقيق اهداف النظام". وقال ان من يؤدي اليمين عليه ان يملك القدرة على تنفيذها "بالقوة وبالفعل". وأكد ان على السلطات الثلاث في البلاد أن تتعاون في ما بينها لحل قضايا البلاد، معتبرا ذلك رسالة الى الحكومات الاجنبية هي ان "الايرانيين متحدون على رغم خلافاتهم".
احتجاجات وتوقيفات
وفرقت الشرطة باستخدام العصي وقنابل الغاز المسيل للدموع امام مبنى مجلس الشورى مئات المعارضين الذين كانوا يحاولون التجمع، وكانوا يرددون هتافات مناهضة لأحمدي نجاد، منها "الموت للديكتاتور". وارتدى بعضهم قمصاناً سوداً ترمز إلى الحداد، وآخرون كانت قمصانا خضراً، وهو لون حملة موسوي.
وفي وقت لاحق، روى شهود ان مئات من رجال الشرطة وافراد الميليشيا الإسلامية "الباسيج" انتشروا في وسط طهران لمنع اي تحرك جديد، في ساحتي ولي عصر ووناك وشارعي فاطمة ومطهري.
وقال شاهد آخر إنه شاهد العشرات من المتظاهرين وقد تجمعوا قرب سوق جنوب طهران، وكانوا يهتفون: "الله أكبر" و"يا موسوي نحن نؤيدك"، لكن شرطة مكافحة الشغب فرقتهم واعتقلت عشرة منهم على الأقل.
وأوقفت السلطات المسؤول في حملة موسوي، حميد حسن زاده في ساعة متقدمة من ليل الثلثاء في مكتب وكالة الأنباء الطالبية "ايسنا" حيث يعمل مستشاراً، وذلك على خلفية عمله السابق في موقع "قلم نيوز" على شبكة الانترنت الناطق باسم موسوي.
واورد المرشح الخاسر في موقعه انه "بعد الانتخابات، شهدت ولادة شعور وطني جمع مختلف فئات المجتمع. ظن البعض ان المسألة ستسوى باعتقال من ظنوهم زعماء التظاهرات، لكن حركة الاحتجاج تواصلت، واثبتت عدم جدوى الاعتقالات". ونفى الاتهامات التي يوجهها المحافظون بان مناصريه يسعون الى قيادة "ثورة مخملية"، مكرراً على ان لا علاقة للمعارضة بالخارج.
وخلصت جبهة المشاركة الإسلامية الاصلاحية الى أن ايران صارت "دولة استبدادية". وأكد كروبي ان "استخدام الأساليب القتالية في قمع الناس لن يأتي بنتيجة. اسمحوا للناس أن يحتجوا في الشوارع وأن يرددوا هتافات. ففرض حالة أمنية من شأنه أن يلحق الضرر بأمننا الوطني. وحملات الاعتقال الجماعي واجراء مثل هذه المحاكمات الجماعية من شأنه أن يعرض المصالح الوطنية للبلاد للخطر".
وأعلنت صحيفة "سرماية" الإصلاحية اعتقال صحافي هو رضا نوربخش، رئيس تحرير صحيفة "فرهيختيغان" (المثقفون) التي دعمت موسوي. وأرجئت الجلسة الثانية من محاكمة نحو مئة شخص متهمين بالمس بالامن القومي الى السبت، وكانت مقررة اليوم الخميس.
لا تعترف ولا تهنئ
وفي تصريح استرعى الانتباه، كذلك الذي أدلى به الثلثاء، قال روبرت غيبس إنه اخطأ التعبير عندما وصف احمدي نجاد بأنه "الزعيم المنتخب".
وقال في الطائرة الرئاسية الأميركية :"فلأصحح شيئاً مما قلته امس (الثلثاء). اشرت الى ان السيد احمدي نجاد هو الزعيم الايراني المنتخب. أقول إنه ليس من حقي ان اصدر حكماً. لقد نصب. هذه حقيقة. أما اذا كانت الانتخابات نزيهة، ومن الواضح ان الشعب الايراني لا تزال لديه شكوك في هذا الشأن، فسنترك له القرار في ذلك".
وقرر أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون ونظيره الإيطالي سيلفيو برلوسكوني والمستشارة الالمانية انغيلا ميركل الا يهنئوا احمدي نجاد بتنصيبه.
وصرحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الموجودة في نيروبي: لا يمكننا دوما أن نتعامل مع الحكومات التي نريد التعامل معها. نحن نضع في الاعتبار حقيقة أن الشخص الذي نصب سيعتبر الرئيس. لكننا نقدر ونحترم المقاومة المتواصلة والجهود المستمرة التي يبذلها الإصلاحيون من أجل إحداث التغييرات التي يستحقها الشعب الإيراني".
وص ف، رويترز، ي ب أ، أش أ، أب




















