نصير الأسعد
حان الوقت لتقديم الصورة "الفعلية" عن "الحالة السورية" مع لبنان، أي عن علاقة سوريا بلبنان في هذه المرحلة. ومبرّر الحديث عن صورة "فعلية" هو أن ثمة صورة غير حقيقية بل "وهمية" عن حالة سوريا.
وفي الصورة "الوهمية" هذه أن المجتمع الدولي والنظام العربي الرسمي "زاحفان" الى سوريا التي انتصرت "ممانعةُ" نظامها! وفيها أن "العالم" في صدد إعادة إنتاج تفاهم مع سوريا "على" لبنان!. والحال أن ليس لدى النظام السوري مانع من أن يواكب تراجعاته أو تنازلاته أو تكيّفاته بحملة إعلامية تارة وبحملة "علاقات عامة" تارة أخرى ليخلق حالاً من "التوهم" هنا أو هناك.. قبل أن يكتشف الجميع أن "الليث الزائر" ليس سوى مجرد صورة عن "ليث قوي".. فقط.
لبنان "المحكّ"
منذ ما يزيد عن سنة، بدأت سلسلة اتصالات فرنسية فأوروبية فعربية فأميركية مع دمشق. لا شك أن سوريا "قبضت" من هذه الاتصالات المُستأنفة فكاً لعزلتها، وهو ثمن طبيعي. بيدَ أن سوريا "قدّمت" أو "دفعت" في المقابل.. في لبنان بشكل خاص، لأن محك تغيير النظام السوري لـ"سلوكه" كان لبنان بحسب "دفتر الشروط" الدولي ـ العربي.
وإذا كانت العلاقات الديبلوماسية مع لبنان وتعيين سفير فيه، في "أعلى" إعتراف من نوعه بالكيان اللبناني المستقل وبدولته، أبرز ما قدمته سوريا أو "دفعته"، فإن متابعة دقيقة للأداء السوري في الأسابيع الماضية تسمحُ بـ"إكتشاف" أن دمشق "دفعت" في مجالات سياسية رئيسية، في مرحلة حساسة من تاريخ لبنان.
الامتناع عن تعطيل.. "انتصار عربي"
طلبت فرنسا وطلبت المملكة العربية السعودية، وطلب المجتمع الدولي من سوريا الإمتناع عن تعطيل الإنتخابات النيابية اللبنانية في 7 حزيران الماضي، فـ"رضخت" للطلبات والمطالبات وإمتنعت عن التعطيل. طبعاً كان النظام السوري يرغبُ في أن يحقق حلفاؤه في لبنان فوزاً في 7 حزيران فيحصلوا على الغالبية النيابية، وبذل النظام السوري جهداً لتحقيق هذا الهدف. وإذا كان المجتمع الدولي عموماً، لكن النظام العربي تحديداً، ضغط على سوريا للإمتناع عن التعطيل، في ظل قناعة راسخة بأن فريق 14 آذار قادر على تحقيق الفوز إذا جرى الإستحقاق سلمياً وديموقراطياً، وفي ظل قناعة بأن انتصار 14 آذار "سيكون" إنتصاراً عربياً في لبنان، فإن النظام السوري لم يكن لديه مانع في ألا يتحقق هذا الإنتصار من دون إضطراره الى التعطيل.. التعطيل الممنوع بموجب "دفتر الشروط".
الإقلاع عن "الثلث المعطل"
بعد الإنتخابات النيابية، وفي ضوء نتائجها التي حملت زعيم "تيار المستقبل" سعد رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة، طلبت المملكة العربية السعودية وطلبت فرنسا وطلب المجتمع الدولي من سوريا الإمتناع أيضاً عن تعطيل تشكيل الحكومة والإقلاع عن "الثلث المعطل لحلفائها فـ"رضخت" بعد تأخر. ومنذ أكثر من ثلاثة أسابيع أعلن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أنه تلقى من الرئيس السوري بشار الأسد تعهداً بالإقلاع عن "الثلث المعطل" كاشفاً بذلك "رضوخ" دمشق لهذا "الشرط". وكذلك، وبعد مراوحة لأيام في الاتصالات السعودية ـ السورية "تبيّن" أن سوريا أبلغت حلفاءها "كلمة السرّ" بالتوقف عن إثارة موضوع "الثلث المعطل". وإذ تم الاتفاق على "الإطار السياسي" للحكومة، على قاعدة أن لا ثلث معطلاً لفريق 8 آذار الذي لن تتجاوز حصته عشرة وزراء، راح بعض حلفاء النظام السوري يتشاطرون و"اخترعوا" عنواناً اسمه "الثلث الضامن المموّه"، فأكدوا أن الحصة من 11 وزيراً أحدهم ضمن حصة رئيس الجمهورية، فيما كان الرئيس يؤكد ان حصته "صافية" لا ودائع فيها.
حقيقةُ "س.س"
إن ما تشدّد المقدمات الآنفة عليه هو الحقيقة الآتية: تقوم الاتصالات السعودية ـ السورية في جانبها المتصل بلبنان، بإعتبار أنها ليست محصورةً بالشأن اللبناني، على معادلة انّ الرياض "تطلب" ودمشق "تلبي"، وهي معادلةٌ محمية بإصرار عربي ودولي على تغيير سلوك سوريا إنطلاقاً من لبنان. وبكلام آخر إن ما يُسمّى "س.س" ليس توافقاً سعودياً ـ سورياً "على" لبنان، بل هو "تلبية" سورية لـ"مطالب" سعودية ـ عربية ـ دولية في مقابل فكّ عزلة دمشق بما يوفّر أساساً لـ"عودتها" الى النظام والمشروع العربيين. هذا في وقت ثمّة إرادة لبنانية بتشكيل حكومة إئتلافية لا تلغي نتائج إنتخابات 7 حزيران، وفي وقت ثمّة إرادة عربية ودولية بدعم هذا التوجه اللبناني حرصاً على استقرار لبنان.
وعلى أي حال، لا مفرّ من ملاحظة أن تغيّر السلوك السوري حيال لبنان، ولو أنه لا يزال "نسبياً، إنما يترافق مع تموضع سوري "مختلف" في عنوان السلام الإقليمي، في ظل "دفتر شروط" لا يزال ضاغطاً على سوريا لـ"الانفصال" عن إيران. ومن الضروري التذكير بأن الولايات المتحدة التي فتحت خطوطها مع دمشق مجدداً، تكرّر مطالبها الإقليمية مصرّةً على لبنان السيّد المستقلّ الحرّ.
"الشطارة".. وتمويه التراجع
إن هذه الصورة لـ"الحالة السورية" الراهنة مع لبنان، تهدف الى تصحيح الصورة "الوهمية"، وإلى القول إنه إذا كان صحيحاً أن سوريا "تقدّم" أو "تدفع" بـ"القطّارة"، فالصحيح أنها "تدفع". وإذا كان صحيحاً أن هناك "شطارة شامية" أو "حربقة شامية" لجهة إحاطة "الدفع" أو "التراجع" بقنابل دخانية، فإن "الشطارة" و"الحربقة" لا تغيّران في حقيقة أن سوريا لا تعود الى سابق عهدها في لبنان، وفي حقيقة أن "الانتصار العربي" في 7 حزيران غير مسموح إطاحته.
طبعاً، لو كان في وسع سوريا أن تحقق "إنجازات" في لبنان لما تأخّرت، ولو كان في وسعها تغيير المعادلات اللبنانية لما قصّرت. لكن سوريا تحاول في عدد من الأحيان الاستعاضة عن "عدم القدرة" بالتذاكي من نوع "الإيحاء" بأنها "سوف" تنجح في "خلط الأوراق" لتقول للمملكة العربية السعودية أو فرنسا أو مصر أو أميركا إن من تعتبرونهم أكثرية في لبنان ليسوا كذلك فماذا أفعل؟ أي تحاول "تأخير" بعض الضغوط أو تحسين ظروف مفاوضاتها.. لكن الوقائع عنيدة وتعاكسها.
قلقٌ للكثيرين.. إلاّ 14 آذار
الصورة "الفعلية" إذاً التي حان وقت تقديمها تفيدُ أن سوريا تنفّذ "على طريقتها" دفتر شروط عربياً ـ دولياً، أي تقوم بـ"تغيير" هو في المحصّلة النهائية في مصلحة لبنان ومصلحتها أيضاً.
فليتوقف "بائعو الأوهام" عن "لعبتهم"، ولتتمّ إعادةُ الاعتبار للمعطيات والموازين، وفيها أن القلق من سوريا لا بد أن يساور كثيرين.. إلاّ 14 آذار!




















