نيويورك – من علي بردى:
هناك سؤال مخيف يراود الأميركيين في هذه الأيام: هل نحن عائدون الى أزمة عام 1974 مجدداً؟ لقد أدى ظهور عدد من المؤشرات المثيرة الى انبعاث قلق النيويوركيين من العودة الى أزمة السبعينات من القرن الماضي، حين انتشرت الجريمة على نطاق واسع بسبب أزمة مالية واقتصادية خانقة أوصلت المدينة الى حافة الإفلاس. ومرد القلق الأكبر اليوم هو أن أكثر المشاكل المالية والإقتصادية التي يتحدث عنها الناس تعود الى ما قبل الانهيار الأخير في وول ستريت.
تفيد موسوعة "ويكيبيديا" على الإنترنت أنه في السبعينات من القرن الماضي، شاعت أغنية طويلة لفرقة "كاشمان أند وست" تختصر الأزمة الطاحنة التي عانتها نيويورك، وعنوانها "أميركان سيتي سوت"، وتقول كلماتها: "الناس يذهبون، يأتون/ الزحمة تدندن دائماً/ أغنية عن مدينة عذبة/ كل من فيها جار/ يحيا على نكهة/ أغنية عن مدينة عذبة/ كانت هناك طريقة/ لوقع في المدينة/ يجعلك تنتمي اليها/ أتذكر الآن/ أن الإيقاع بعض الشيء/ يدفعني الى الغناء وحيداً".
الآن، يتذكر البعض هذه الأغنية القديمة وهو يرى كيف تنحدر نوعية الحياة في هذه المدينة، إذ يتصاعد معدل الجريمة في الكثير من الأحياء، ويتزايد عدد طالبي المأوى من العائلات الجديدة، ويرتفع عدد الشكاوى من كتبة الشعارات على الجدران. العنصر الأكبر غير المتوقع، بالطبع، هو الأزمة المالية المتفاقمة.
عام 1974، بدأت مدينة نيويورك تدرك عمق مشكلاتها، واتضحت المشكلات شيئاً فشيئاً للنيويوركيين فتيقنوا أنهم يواجهون أزمة مالية خطيرة، وأن الحلول غير واضحة تماماً. عامذاك، أدركت المدينة الحضيض في الحياة وبالكاد أمكن تجنب الإفلاس على رغم تبخر 600 ألف وظيفة وانهيار خدمات المدينة وهجرة كثيرين.
لقد أدى الانكماش الاقتصادي في السبعينات الى تدهور نوعية الحياة في نيويورك على نحو خاص، بسبب انهيار سوق الأوراق المالية في وول ستريت، ووصول المدينة الى حافة الإفلاس في عهد رئيس بلديتها آنذاك آبراهام بيم. غير أنه امكن تلافي هذا القدر بواسطة قرض فيديرالي ضخم، لم يحل دون انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة قرابة 25 ساعة في 12 تموز 1977، حين سادت أعمال النهب والتخريب والاضطرابات. واضطرت السلطات الى اعتقال نحو ثلاثة آلاف شخص.
يعتقد رئيس بلدية نيويورك الحالي مايكل بلومبرغ الذي نجح في الترشح لولاية ثالثة عن المدينة أن "التاريخ لن يعيد نفسه". وقال في خطاب عبر الإذاعة: "سنحافظ على شوارعنا آمنة، سنبقي شوارعنا نظيفة".
على رغم أن العديد من المراقبين يرون أن قيادته مهمة، يخشى آخرون أن تكون وصفته لتغطية العجز البالغة قيمته أربعة مليارات دولار، والتي تتضمن زيادة الضرائب وخفض عدد رجال الشرطة، مؤذية.
وتقول العضو في المجلس البلدي ليتيسيا جيمس عن منطقة بروكلين التي شهدت أعمال عنف حديثاً بأن "علينا أن نرى وقع خفض عدد رجال الشرطة وآثاره". وأضافت أن "الأمر بالتأكيد يقلقني".
ومع تأكيدهم عودة مخاوف السبعينات، يوافق المراقبون على أن المدينة تحتاج الى ثلاثة أمور: خفض معدلات الجريمة وزيادة مستويات الخدمات الأساسية وتحسين البنى التحتية.
ويؤكد مدير مركز "سنتر فور أوربان فيوتشر" للمستقبل المديني جوناثان بولز أنه "من الواضح أن من السابق لاوانه جداً معرفة الى أي حد سيكون هذا الأمر سيئاً". ويضيف أن "ركود منتصف السبعينات انتهى الى أن يكون عميقاً جداً… الناس تركوا المدينة لأنه لم يعد لديهم عمل وهذا أدى الى افراغ الأحياء وتزايد الجريمة وغياب الاستثمار".
على نقيض عام 1974، يرى بولز أن هناك "الكثير من المؤشرات الايجابية في شأن نيويورك"، الأمان والمدارس الأفضل والنظرة الايجابية الى حياة المدينة. ويعتقد أن "العدد المجرد للخسارة الممكنة للوظائف، يمكن أن يؤدي الى مشاكل فعلية في الكثير من ضواحي المدينة".
بيد أن هناك فارقاً مهماً: إن مشكلات السبعينات كانت أكثر من معقدة، جزئياً بسبب الإدارة المالية الضعيفة.
ويشدد الأستاذ في جامعة كولومبيا ومحقق "انسيكلوبيديا مدينة نيويورك" البروفسور كينيث جاكسون على أنه "في السبعينات كانت المدينة في انحدار. في الحقيقة، وحتى منذ الخمسينات، كان الجميع يتوقعون أن تواجه المدينة، وليس فقط نيويورك بل كل المدن، قدرها".
لا تزال الجريمة منخفضة الآن في نيويورك بمعدلات لا سابق لها، غير أن هناك جيوباً تثير المشاكل، وخصوصاً في ستايتن آيلاند التي شهدت حديثاً ارتفاعاً كبيراً لمعدل الجريمة، وكذلك في منطقة جامايكا الجنوبية حيث ارتفع معدل العنف المسلح بنسبة تسعة في المئة.
ويؤكد بلومبرغ أن قائد الشرطة راي كيلي يضبط النظام في المدينة، على رغم خفض عدد رجال الأمن بالآلاف. وهو خاطب أهل نيويورك قائلاً: "إذا كان علينا أن نواجه موجة جريمة لا يمكن كيلي التعامل معها، يمكنكم أن تتأكدوا من أن كيلي وأنا سنتحادث وسنجد الطريقة لتحويل المصادر اللازمة لذلك".
بيد أن مارتن يشدد على أن المدينة تحتاج الى مزيد من التركيز على نوعية الحياة، وتطويع مزيد من رجال الشرطة للوصول الى ذلك. ويقول إن "أرصفتنا تتسم بالفوضى، والقذارات منتشرة فيها، والاعتداءات على نوعية الحياة تتزايد باطراد، الشعارات تكتب حيثما كان، ونرى أن هناك تخريباً متعمداً وبشعاً يتزايد في إنفاق المترو".
وإذ يتساءل الى أين من هنا، يعتقد ريان نيرتز أنه "إذا كان هناك من خوف، فهو إذا كان الأمر يمكن أن يسوء أكثر مما الوضع الآن".
ويرى جاكسون أن الأمر المريح هو أن الجريمة لا تحتاج بالضرورة الى أن تتبع التدهور الإقتصادي. غير أن العكس يمكن أن يحصل. ففي الثمانينات، سجل الوضع الاقتصادي تحسناً كبيراً، ومع ذلك ارتفعت الجريمة بمعدلات قياسية.
ويعتقد أن وجود بلدية قوية تشكل عاملاً رئيسياً للاستقرار. ويشيد بولز بقيادة بلومبرغ، ويصف جاكسون رئيس البلدية الحالي بأنه "الخيار الأفضل المتوافر لدينا الآن".
ومع ذلك، لا تبدو أزمة عام 1974 بعيدة عن الأذهان، وهناك صلة لا نزاع عليها بين ذلك التاريخ واليوم: الاضطراب.
ويلاحظ مارتن "أننا لا نعلم ما الذي سيحصل. كثيرون من الناس تركوا نيويورك في الأزمة المالية لعام 1974". ويأمل في "ألا يحصل الامر هذه المرة، لأن ذلك سيكون كارثة".
في المرة السابقة، أدت الأزمة الى نزوح عائلات الطبقة الوسطى من البيض الى ضواحي المدينة وأماكن أخرى أكثر أمناً وأجدى اقتصادياً. وكانت النتيجة في نهاية السبعينات خروج أكثر من مليون نسمة من المدينة، في معضلة لم يجر تجاوز آثارها إلا بعد 20 سنة، أي بعد ثلاث سنوات من سريان الخطة المالية المحافظة التي أطلقها أد كوتش الذي انتخب رئيساً للبلدية عام 1977.
الأغنية في نهايتها تقول: "يا مدينة نيويورك/ هل يمكنك أن تقولي إنها لم تكن حقيقة/ هل يمكنك أن تقولي الآن/ قبل أن أرحل عنك/ سأدفع كل ما لدي/ فقط من أجل أن أؤمن بك مجدداً".
"النهار"




















