سياسة (الغرف المقفلة) حوَّلت السياسة في لبنان إلى مباراة في فك الطلاسم والأحاجي، وحوَّلت الرأي العام إلى (قوة ضائعة) بدلاً من أن يكون (قوة ضاغطة)، وجعلت من معظم السياسيين الذين لا يجدون مقعداً لهم في تلك (الغرف المقفلة) مجرد منظِّرين يعوِّضون عن قلة معلوماتهم بكثرة كلامهم.
هذا الواقع هو جزء من معاناة الصحافة مع السياسة والصحافيين مع السياسيين، هناك هوّة عميقة بين الجهتَين:
السياسيون يصنعون السياسة ولكن لا ينشرونها للرأي العام، فيما الصحافيون مطالَبون بإعلام الرأي العام لكن (الغرف المقفلة) موصدة في وجههم والمعلومات محجوبة.
مناسبةُ هذا الكلام أن الحكومة الجديدة دخلت نفق (الأسرار والألغاز):
يلتقي الرئيس المكلَّف مع العماد ميشال عون فلا يخرج ما دار في الإجتماع عن نطاق الرجلَين، ولا يبقى للسياسيين الآخرين سوى التكهن والتحليل من دون أن يمتلكوا (معلومة) يُقدِّمونها للرأي العام.
يلتقي السيد حسن نصرالله والنائب وليد جنبلاط، ينتظر اللبنانيون (بشرى) نتائج اللقاء فيُحرَمون من حقِّ الإطلاع.
إننا أمام معضلة حقيقية عنوانها غياب الشفافية والإستهتار بالرأي العام وبحقه في الوصول إلى مصادر المعلومات، كما إنه يقف عاجزاً عن فهم ظواهر غريبة لا عهد له بها:
لا يفهم مثلاً لماذا يمر أسبوع من دون أن يشهد أي حركة على صعيد تشكيل الحكومة، فإذا كان سبب هذه المراوحة انتظار ما أدت إليه القمة السعودية – السورية، فإن هذه القمة يكاد يمر أسبوع على إنتهائها ولم يرشح عنها شيء سوى ما أبلغه الرئيس بشار الأسد إلى الرئيس ميشال سليمان في الإتصال الهاتفي بينهما، ان لبنان أخذ حيِّزاً مهماً من القمة، عدا ذلك يُطلَق العنان للشائعات والتكهنات وأحياناً لِما يمكن تسميته (معلومات التنظير) غير المبنية على معطيات، والخطير فيها أن لا أحد قادرٌ على نفيها في غياب معلومات تناقضها، كما لا أحد قادر على تأكيدها في غياب معطيات التأكيد.
مَن يستطيع أن يؤكد أو ينفي أن صيغة 15 – 10 – 5 ما زالت (صامدة) أو أن هناك إمكانية لصرف النظر عنها؟
مَن يستطيع أن يؤكد أو ينفي أن مسألة توزير الراسبين قد حُسِمَت وأن إعادة توزير الوزير جبران باسيل مبتوتة ولكن ليس من خلال حقيبة الإتصالات؟
مَن يستطيع أن يؤكد أو ينفي أن هناك توافقاً على المداورة في تولي الحقائب السيادية والخدماتية وأن حقيبة المالية ستكون من حصة التيار الوطني الحر?
(بالونات اختبار) تُطلَق من هنا وهناك لمعرفة مدى إنعكاسها على الرأي العام، لكن في نهاية المطاف فإن ما هو مؤكد حتى من دون توافر معلومات في شأنه، أن ولادة الحكومة ما زالت دونها عقبات، ولو أن كل شيء ذُلِّل في القمة السعودية – السورية لكنا اليوم أمام مشهد الصورة التذكارية للحكومة الجديدة.
الأنوار




















