جهاد الزين
وصف مقال في صحيفة "اسرائيل اليوم" امس الاول تركيا بأنها عادت لتكون "الرجل المريض" في المنطقة… مستخدماً بذلك تلك التسمية الشهيرة للإمبراطورية العثمانية في الاعوام المائة ونيف الاخيرة من حياتها المديدة قبل ان تزول نتيجة الحرب العالمية الأولى. والمقال يحمّل رئيس وزرائها رجب طيب اردوغان المسؤولية عن "لحظة جنون تصيب تركيا" بقيادته، فهو "يتصرف كالمخدر ويحتاج الى كميات متزايدة من المخدر ذي الرائحة اللاسامية".
على سطح الاحداث يمكن حتى للعرب المصفقين لدور تركيا الحالي في الاعتراض على السياسة الاسرائيلية، ان يوافقوا على تحليل المقال الاسرائيلي هذا ولو بلغة أخرى، اي اعتبار اردوغان وحزبه صانعَي التحول الراهن في السياسة التركية، والنظر الى هذا التحول كـ"شذوذ" تركي وغربي.
لا اريد ان أدخل هنا في سجال مع العديد من المراقبين العرب الذين ينسبون النجاحات التركية التحديثية، السياسية والاقتصادية، الى "حزب العدالة والتنمية" (AKP) وحده، انطلاقاً من كوني مع وجهة النظر التي ترى ان هذا المستوى المتقدم الذي بلغته تركيا هو حصيلة جهود اجيال عدة في الجمهورية التركية بلغ نضجه مع AKP، فهذا الحزب يقود التغيير حالياً ولكنه لم يصنعه وحده.
النقطة السجالية الضرورية الآن في معرض الرد على المقال الاسرائيلي، لكاتبه دان مرغليت (وغيره من المقالات المماثلة في اسرائيل) ان الاعتراض التركي المتواصل على السياسة الاسرائيلية لا يأتي كحالة شاذة عن الجو العالمي. فهذا الجو الذي يتحرك فيه رجب طيب اردوغان يشهد ظاهرة لا مثيل لها من التناقض المعلن بين رئيس اميركي وبين الحكومة الاسرائيلية، فموقف الرئيس باراك اوباما الحاسم في الدعوة الى تجميد الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية واصراره بالتالي على "حل الدولتين"، الذي يتضمن دولة فلسطينية "قابلة للحياة ومتواصلة الجغرافيا" هو أيضاً حالة نافرة من حيث وضوحه، حتى لو ان السياسة الاميركية لم تترجم بعد الى مواقف ضاغطة عملية كافية لإرغام المسؤولين الاسرائيليين على التراجع.
أيضاً يأتي "تقرير غولدستون" في هذا الجو العالمي.
فمن يقرأ النص الكامل (الطويل جداً) لــ"تقرير غولدستون" حول انتهاكات حقوق الانسان خلال حرب غزة بين اسرائيل و"حماس" سيفاجَأ (الفتحة على الجيم) بالتغطية الاخبارية في الصحافة العالمية والعربية، والتي قدمت الاعلان الاولي عن مضمونه باعتباره "يدين اسرائيل و"حماس" معاً على انتهاكهما خلال الحرب لحقوق الانسان.
والواقع الصارخ لنص هذا التقرير الذي يتمحور حول المسؤولية عن الضحايا المدنيين، انه يدين بشكل واضح جداً ومركّز الجيش الاسرائيلي ولا يخرج القارئ منه بأي انطباع عن "توازن" ما يريد واضعوه ان يقيموه بين اسرائيل و"حماس". بالعكس، وباستثناء بعض محدود في الكم والنوع لاتهامات غير مؤكدة لـ"حماس" من وجهة نظر التقرير حول استخدام مواقع مدنية، فإن التقرير "ينهال" على اسرائيل بعدد متواصل ومكثف من الإدانات لاستهدافها المتعمد لمواقع المدنيين من دون اي مبرر عسكري وبقصف المستشفيات ومركز الأمم المتحدة وبإجبار مدنيين فلسطينيين على التقدم كتروس لمجموعات هجومية عسكرية اسرائيلية على مواقع مدنية… إلخ… إلخ… ناهيك طبعاً عن الرقم التقديري النهائي للضحايا المدنيين الفلسطينيين، وهو ليس حسب التقرير بأقل من ألف وبضع مئات بينما يشير الى ضحيتين مدنيتين وتسعة قتلى عسكريين اسرائيليين، بينهم – حسب التقرير حرفياً – اربعة قتلى بـ"نيران صديقة"، اي بالخطأ على يد الجيش الاسرائيلي.
لقد وقعت الصحافة العربية عموماً – وقد تكون هناك استثناءات – في فخ الترويج الاولي لتقرير غولدستون بأنه "يتهم اسرائيل وحماس معاً" (وكان هذا خطأ مهنياً على صفحات الصحف وليس فقط سياسياً).
وسيتبين من حجم الضغط الاسرائيلي ضد التقرير وردود الفعل المستنكرة على خطأ الرئيس الفلسطيني بالموافقة على تأجيل بحثه في جنيف، ثم من المعركة الدائرة الآن بعد العودة الى بحثه ان التقرير الذي وضعته لجنة يرأسها قاض جنوب افريقي يهودي يشكل سابقة في مستوى ادانة عنف وعدوانية الجيش الاسرائيلي، لم يحظ بفرصتها لبنان خلال حرب تموز – آب 2006، مع ان قطبي المواجهة على الجهة العربية في حربي لبنان وغزة يقفان في موقع سياسي واحد من الصراع العربي – العربي والدولي في المنطقة. والتفسير للفارق في الادانة واضح من زاوية ان "حماس" التي يسميها التقرير"سلطة غزة" تمثل هنا بشكل تلقائي – ورغم خلافها مع "السلطة الوطنية" – استمراراً لتصاعد تاييد اخلاقي عالمي للشعب الفلسطيني… تصرّ اسرائيل على تجاهله.
إذن، "تقرير غولدستون" هو أيضاً يأتي في زمن سياسي اميركي يحاول ان يفعل شيئاً حيال التمادي الاسرائيلي في التدمير البنيوي لفرص التسوية حتى عندما يتعلق الأمر بمنظمة مثل "حماس" لا زالت ادارة اوباما مترددة في الحوار المباشر معها رغم كل التحذيرات التي تتلقاها هذه الادارة من اضاعة الوقت الثمين التي يسببها هذا التردد.
المشكلة في ذهنية اليمين الاسرائيلي انه رغم الضعف العربي، بل الضعف الفلسطيني، فإن "عزلة اسرائيل" الاخلاقية في العالم حالياً تتمظهر احياناً بشكل سياسي، وفي هذا الجو المستند أيضاً على تململ عميق لدى الجمهور التركي، تتعدد اعتراضات رجب طيب اردوغان كرئيس وزراء يعرف ان يقيس النبض الداخلي كما النبض الخارجي للعالم المعاصر.
تركيا الحالية لا يمكن إلا ان تكون جزءاًمن قوى الاعتدال في المنطقة بمعناه الفعلي لا المصطنع: دولة ديموقراطية متقدمة اقتصادياً وباتت تشكل قوة استقرار اقليمي لا بديل عنها… (ومنخرطة في الصراع ضد "القاعدة").
بهذا المعنى يعرف الاميركيون والاوروبيون ان تركيا ليست "الرجل المريض" في المنطقة… بل هي، على أكثر من مستوى، مرشحة صاعدة لدور "طبيب" لهذه المنطقة اذا جاز التعبير… من سعيها لإنهاء عداوة قومية تاريخية مع أرمينيا، الى بدء سياسة تحسين العلاقات مع عدو سابق هو اليونان، الى علاقة تأخذ ابعاداً متقدمة مع سوريا، احدى الدول الرئيسية تقليدياً في الصراع العربي – الاسرائيلي، علاقة تنشد فعلاً نحو فرص تسوية هذا الصراع…
لقد كان أهم تعليق صدر عن وزير الخارجية السوري بعد اعلان تركيا "تأجيل" مشاركة اسرائيل في المناورة العسكرية الاطلسية على اراضيها هو قوله ان هذا القرار التركي يوضح ان المؤسسة العسكرية التركية متفقة مع الحكومة التركية على السياسة نفسها… وهذا كلام جوهري يجب ان يقرأه العرب قبل الاسرائيليين.
جهاد الزين




















