في الخامس من الشهر الجاري، وجّه مكتبي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى عشرات آلاف الأعضاء والمعارف نهنّئهم فيها بانتخاب باراك أوباما. وقد أشرنا في رسالتنا إلى التحوّل التاريخي الذي يمثّله انتصاره وأثنينا على آلاف الأميركيين العرب الذين شاركوا في هذه الحملة الفائزة.
كان رد الفعل الأولي وشبه الشامل مشجّعاً، فقد تشاطر كثر روايات مؤثّرة عن تجاربهم في الحملة وآرائهم في النصر وآمالهم بالتغيير.
لكن في اليوم التالي وبعد صدور قرار واحد، تبدّل المزاج. فمع تعيين عضو الكونغرس رام إيمانويل كبير الموظفين في البيت الأبيض، تحوّل ابتهاج البعض، وليس الجميع، خيبة أمل. وكانت رسائل البريد الإلكتروني والاتصالات التي وصلت إلى مكتبي قلقة ومقلقة في الوقت نفسه، لأن الجزء الأكبر من ردود الفعل استند إلى معلومات مضلِّلة، هذا بالإضافة إلى ما كشفه حدث التعيين بكامله عن الديناميات السياسية الأوسع نطاقاً. لنبدأ بالوقائع.
رام إيمانويل هو استراتيجي لامع، ويمارس السياسة بحزم، وقد عرف في الحملات وخلال عمله في إدارة كلينتون، ومن ثم في الكونغرس في الآونة الأخيرة، كيف يصل بالأمور إلى خواتيمها. وبما أن الرئيس المنتخب سوف يحتاج إلى تمرير تشريعات أساسية عبر الكونغرس، من رزمة النهوض الاقتصادي وإصلاح الرعاية الصحية إلى مقاربة شاملة للطاقة البديلة، اختار أوباما إيمانويل نظراً إلى مهاراته السياسية المثبتة. الأمر بهذه البساطة.
بالتأكيد لم يكن هذا مضمون الرسائل التي تلقّيتها بالبريد الإلكتروني ولا المشاغل التي عبّرت عنها. فقد ذكرت بعض هذه الرسائل أن إيمانويل هو مواطن إسرائيلي أو صاحب جنسية مزدوجة أميركية – إسرائيلية (ليس هذا ولا ذاك، فقد ولد في شيكاغو عام 1959)؛ أو زعمت أنه خدم في قوات الدفاع الإسرائيلية وبُتِر إصبعه خلال مواجهته لدبابة سورية في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 (لم يخدم في قوات الدفاع الإسرائيلية، وبُتِر إصبعه في حادث غريب عندما كان يعمل في أحد مطاعم "آربي" في سن المراهقة). واتّهمت قلة إيمانويل بالتهرّب من الخدمة العسكرية الأميركية للانضمام إلى قوات الدفاع الإسرائيلية (وهذا غير صحيح أيضاً – ففي خضم حرب الخليج عام 1991، بينما كانت القوات الأميركية تشغّل مدافع "باتريوت" الصاروخية في إسرائيل والخليج العربي، تطوّع إيمانويل لبضعة أسابيع بصفة مدني يهتم بصيانة الآليات الإسرائيلية). وتزعم أحدث الروايات أن إيمانويل طُرِد من البيت الأبيض عام 1998 بعدما اكتشف مكتب التحقيق الفيديرالي (إف بي آي) تورّطه إلى جانب مونيكا لوينسكي، في مؤامرة من تدبير "الموساد" للتجسّس على الرئيس كلينتون (وهذه قصة ملفّقة بكاملها اختلقتها شخصية غامضة تزعم أنها كانت مسؤولة في الاستخبارات الأميركية وتطلق الكثير من الروايات الغريبة).
تداول مثل هذه القصص وانتشارها على نطاق واسع أمر يستحق الشجب بقدر الحديث عن أن "أوباما هو مرشح مسلم/مانشوري سري"، أو بقدر الإشاعات الكاذبة المناهضة للعرب والمسلمين التي تعرّضنا لها أنا والعديد من زملائي على مر السنين.
إذا وضعنا جانباً الخيال أو بدقة أكبر، الأساطير المشوِّهة للسمعة، فالحقيقة هي أن إيمانويل هو قائد فعال في الكونغرس. إنه مؤيد قوي لإسرائيل. لكن ما هو عدد أعضاء الكونغرس الذين لا يؤيدون إسرائيل؟
إيمانويل يهودي ووالده إسرائيلي. وينبغي على الأميركيين العرب أن يكونوا حساسين جداً ضد الهجمات على أي كان بالاستناد إلى الدين أو الإتنية. لقد عمل عن كثب مع أعضاء الكونغرس الأميركيين العرب من الحزبَين الجمهوري والديموقراطي، وهم معجبون به، وكان مهندس حفل توقيع اتفاقات أوسلو في حديقة البيت الأبيض عام 1993 الذي جمع أميركيين من أصل عربي ويهودي. عندما لبّى رام الدعوة التي وجّهتها إليه لتناول الغداء مع قادة مجموعات أميركية عربية عام 1994، أُعجِب من تعرفوا إليه بانفتاحه ونزاهته.
لكن أبعد من هذه الوقائع، ثمة أمران مقلقان يجب التوقف عندهما. فمن المقلق جداً كيف أن التهكّمية والشكوك حجبت بسرعة لدى البعض الحماسة التي أثارها فوز أوباما، وكذلك مدى التقبّل الذي أظهره البعض للروايات الملفّقة. ولم يحصل ذلك إلا لأن النصر في ذاته لم يُفهَم كما يجب. فلو فُهِم، لساهم إدراك الوقائع السياسية في التخفيف من حدة الحماسة.
لا شك في أن فوز أوباما أظهر أن التغيير ممكن – لكن شرط أن يكون تدريجياً. تستمر الضغوط من اليمين واليسار وكذلك من مجموعات المصالح بمختلف أشكالها والتي لا تزال تمارس تأثيراً فتحدّ تالياً من الخيارات السياسية. الاقتصاد في حالة سقوط حر، وبعد ثماني سنوات من الإهمال والتهور في عهد بوش، المخاطر كثيرة جداً في العالم. لا يغيّر فوز أوباما تلك الوقائع. وهكذا فإن حماستنا كانت مبررة، لكن لم يكن يجب أن تصل بنا نشوتنا العارمة إلى درجة التشوّش وعدم إدراك حدود الممكن.
أخشى أن الحاجة إلى التغيير أصبحت كبيرة جداً لدى البعض إلى درجة أنهم باتوا معرّضين لتقلبات جامحة – من تطلعات غير واقعية إلى خيبة غير مبرّرة، وقد أصبحوا تالياً ميّالين إلى تصديق الأسوأ.
لكن المسؤولية عن الخطأ مشتركة في هذا السياق. فأنا قلق من بطء معسكر أوباما وعدم مبادرته إلى التحرك بسرعة أو فاعلية أكبر لمعالجة الوضع. لقد فطنت العمليات السياسية العصرية للحاجة إلى مواجهة الروايات الملفّقة، وإدارة النظرة إلى الأمور، واستباق المشكلات – وفي هذا الإطار، أظهر فريق أوباما براعة شديدة.
ففي الحملة على سبيل المثال، أثبتوا مراراً وتكراراً مدى مواكبتهم لنظرة الرأي العام إلى الأمور – ولا سيما المسائل التي كانت لتسبّب إزعاجاً في المجتمع اليهودي. وقد عرفوا أنه يجب إغلاق الباب بسرعة على هذه الروايات (أدرك المسلمون الأميركيون ذلك إلى حد كبير، على الرغم من أنهم كانوا يشعرون أحياناً بأنه يجري التعامل معهم بلامبالاة). لكن في مسألة تعيين رام إيمانويل، أظهر معسكر أوباما عدم اكتراث وعدم إصغاء للآراء العربية الخاطئة عن هوية رام إيمانويل والدور الذي سيؤدّيه (هذا إذا استثنينا التعليقات التافهة التي صدرت عن والد رام، والتي قدّم الأخير اعتذاراً شديداً عنها). ونتيجة لذلك، ازداد الوضع سوءاً.
لقد انتهت الحملة، ويلعب الرئيس المنتخب دوره الآن على مسرح عالمي موجّه إلى أكثر من جمهور واحد. وفي الشرق الأوسط في شكل خاص، الحساسيات كبيرة جداً تماماً كما هي الحال لدى أي شعب في العالم، وكذلك الغضب الشديد مما يُنظَر إليه بأنه مكر وخداع. فمع تأجّج المشاعر بفعل عقود من الأخطاء في السياسات الأميركية، وانحدار التأييد للولايات المتحدة إلى أدنى مستويات له على الإطلاق، ومع استغلال المتطرفين للاستياء والخوف – من المهم أخذ نظرة الشعوب إلى الأمور في الاعتبار. إذا أردنا أن ننجح في إحداث تغييرات في العلاقات الأميركية-العربية – وأعتقد أن بإمكان إدارة أوباما القيام بذلك – يجب إبداء اهتمام أكبر والتفاعل أكثر مع مشاعر الناس.
خلاصة الموضوع، هناك دروس يجب تعلّمها وعمل يجب القيام به. يجدر بالعرب والأميركيين العرب أن يبنوا توقّعاتهم على الحقائق السياسية ويحاذروا من هجمات الافتراء التي تتصاعد منها رائحة العداء للسامية، ويتعيّن على القيادة السياسية الأميركية أن تتعلّم التنبّه للحساسيات العربية بقدر ما تهتم بمشاغل الآخرين.
ترجمة نسرين ناضر
(رئيس المعهد الأميركي العربي. المقال المترجم هو عموده الأسبوعي Washington Watch والعنوان الاصلي للمقال: "دروس يجب تعلمها")
"النهار"




















