في الوقت الذي كان فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس يقول إنه إن لم تصل المفاوضات مع «حماس» في القاهرة الى اتفاق، فإنه سيدعو أول العام المقبل الى انتخابات رئاسية ونيابية في فلسطين، كان خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» يخطب في دمشق في مؤتمر لحقّ العودة، معارضاً أي مراوغة في حق الفلسطينيين في العودة الى أرضهم، ومعتبراً بالمناسبة أن لا شرعية للسلطة الفلسطينية العتيدة بعد نهاية هذا العام! فعلى ماذا يؤسس كل من الفريقين شرعيته، وما معنى «الشرعية» في العالم العربي بعد تطورات العقود الأربعة الماضية؟
منذ نشوب الحرب الباردة، وتفشي الانقلابات في بلدان العالم العربي المركزية في الخمسينات، استتب فيه نوعان من أنواع الشرعية: الشرعية التقليدية القائمة على الوراثة في الأنظمة الملكية، والشرعية «الثورية» القائمة على إرادة التغيير وممارسته لمصلحة «أصحاب المصلحة في الثورة». واستناداً الى الإرادوية الثورية، قامت أنظمة في العالم العربي مشرقاً ومغرباً أصلها انقلاب عسكري يستهدف الحصول على الشرعية من الجمهور مباشرة، لتحقيق: الوحدة العربية، وتحرير فلسطين، وإحداث تغييرات راديكالية في الداخل الاجتماعي والطبقي والسياسي. وفي سبعينات القرن الماضي، استقرت الأنظمة الثورية هذه، على رغم تخليها عن أهدافها أو عجزها عن تحقيقها. ولا يزال الأمر على هذا النحو حتى اليوم. ويقوم الاستقرار الداخلي لتلك الأنظمة على القوة مع بعض التوازنات في الداخل، والانتظام تحت مظلة القوة الدولية المهيمنة في الترتيبات الإقليمية.
بيد أن فكرتي الثورة والتحرير أو المقاومة لم تموتا. إنما تسلّمتهما منذ آخر الستينات حركات المقاومة الفلسطينية ذات الطابع الوطني والقومي واليساري حتى الثمانينات من القرن الماضي، والحركات الثورية الإسلامية بعد الثمانينات. ومُسوِّغ الشرعية لدى الحركات الثورية لا يختلف عن مثيله لدى الأنظمة الثورية العربية السابقة، مع بعض التعديلات، أي بالتركيز على مسألة تحرير فلسطين، أو تحرير الأراضي العربية المحتلة. على أن الجديد بعد نهاية الحرب الباردة تحوُّل الحركات الثورية الى سلطات على شاكلة الأنظمة، وفي قلب الأنظمة القائمة والدول أو على حواشيها.
فقوى منظمة التحرير الفلسطينية تقبع منذ العام 1993/ 1994 في رام الله وما حولها، وحركة «حماس» تقبع في غزة، و «حزب الله» يتمركز في لبنان. وربما صار تنظيم مقتدى الصدر الى حال مشابهة في العراق.
وفي عودة الى حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، واللتين بدأنا هذه المقالة بذكرهما، على ماذا تقوم شرعيتهما، وما هي إشكالية الشرعية، إن تكن هناك مشكلة من نوع ما؟ أما السلطة الفلسطينية فتتراوح مرتكزات شرعيتها بين أمرين: اتفاقيات أوسلو، والانتخابات التي أُجريت وآخرها انتخابات الرئاسة (عام 2004)، والانتخابات النيابية (عام 2006). وقضية السلطة الفلسطينية في هذا المجال مشكلة وأي مشكلة. إذ بعد شهرين تنتهي مدة الرئيس الفلسطيني، ولا بد من إجراء انتخابات للرئاسة يتعذر إجراؤها إن لم توافق حركة «حماس» على سريانها في غزة أيضاً. والمعروف أن أحزاب السلطة خسرت الانتخابات النيابية أمام «حماس» عام 2006، ولا يحين موعدها من جديد إلا في العام 2010. ولذلك، فإن الرئيس الفلسطيني يُعلن عن عزمه إجراء الانتخابين في شكل متزامن بعد شهرين، وذلك مشروط أيضاً بموافقة «حماس» المسيطرة في غزة! وهكذا، فإن السلطة الفلسطينية الآن هي في موقف أصعب من موقف «حماس»، لأنها تتظاهر باعتبار الانتخابات (وليس الشرعية الثورية) أساساً لشرعيتها! بينما الواقع – ما دامت السلطة قد تخلّت عن شرعية الكفاح المسلّح – أن اتفاقيات أوسلو هي التي تهبها القدرة على البقاء أو القدرة على ادعاء الشرعية، وممارسة السلطة.
أما الجمهور الفلسطيني فهو تحت الاحتلال وإرغاماته في الضفة كما في غزة، ويستطيع كل واحد ادعاء تأييد الجمهور وبخاصة «حماس» وشاهدها انتخابات العام 2006.
ويختلف الأمر لدى «حماس» أو أن مأزقها مختلف عن مأزق قوى السلطة الفلسطينية. فقد قامت شرعيتها – في نظر نفسها على الأقل – منذ آخر الثمانينات على الكفاح المسلح والهجمات الانتحارية، والهدف المعلن تحرير فلسطين، وإقامة الدولة الإسلامية فيها. لكنها – وبخلاف الحركات الثورية الأخرى – خاضت الانتخابات (أي احتكمت الى الجمهور) قبل التحرير، ونجحت فيها، وشكّلت حكومة فلسطينية. وعندما تعاظم النزاع بينها وبين «فتح»، سيطرت على غزة بالقوة، ومضى على ذلك قرابة العامين، وافقت خلالهما على تهدئة مع إسرائيل، وليس مع «فتح» ومنظمة التحرير! والمسألة الآن أن الشرعية الثورية الحماسية انتهت، وأن عماد شرعيتها صار الأمر الواقع، ودعم سورية وإيران، ووقوفها في وجه المجتمع الدولي بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة. وإذا كانت قوى منظمة التحرير تستقوي بالاعتراف العربي والدولي بها لإرغام «حماس» على التنازل والاتفاق، فإن «حماس» تعرف أن الاتفاق مع «فتح» سيجعل وضعها أصعب بكل المقاييس. وقد أثبتت «حماس» أنها تستطيع الصمود، بدليل ما حصل في العامين الماضيين. لكن من جهة ثانية يظل وضعها موقتاً، لأنها لا تسير باتجاه «التحرير»، ولا باتجاه إقامة دُويلة في غزة تحظى باعتراف عربي ودولي. أما أملها بانهيار السلطة الفلسطينية، فإنه لن يكون لمصلحتها، بل لمصلحة إسرائيل، التي تتردد في إعادة احتلال غزة والضفة، لكنها ستفعل ذلك، إذا رأت أن «الفوضى» المتنامية تُشكّل خطراً كبيراً على أمنها.
ومرة أخرى يختلف وضع «حزب الله» عن وضع «حماس»، وإن يكن مأزق الشرعية واحداً، أو أنه أبلَغُ وأعمق. فبخلاف «حماس»، وقوى منظمة التحرير الأخرى، حقق الحزب هدفه الثوري بتحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي. لكنه مُصرّ على الابقاء على سلاحه، وعلى سيطرته على مناطق على ارض الدولة اللبنانية. والمسوِّغ المعلَن الآن: حق الاستمرار في الوضع القائم الى حين وصول قوى الدولة اللبنانية الى القدرة على ردع العدوان الإسرائيلي إن حصل. وعلى رغم اعتراف الحزب أو تسليمه بالقرار 1701 الذي يتضمن ترتيبات لحماية حدود لبنان هي مزيج من قوى الجيش اللبناني والقوات الدولية، فإنه لا يزال ينتظر «استراتيجية دفاعية» لا يعرف أحد كنهها، لكي يرضى بالتفكير أو التفاوض في شأن مصائر سلاحه!
ولنعد مرة أخرى الى سؤال الشرعية، واحتمالات المستقبل. أما الأنظمة العربية الثورية السابقة، فإنها قائمة ومستقرة ولا يقلقها سؤال الشرعية لجهتين: جهة الثورية، وجهة الشرعية الدستورية.
من الناحية الثورية، فإن الأمر نُسي منذ عقود. وقد كانت الأنظمة التي تحمل هذه الدعوى في المشرق ثلاثة: النظام العراقي، وقد أسقطه الاحتلال الأميركي. والنظام الليبي، وقد سالم الولايات المتحدة وتبادل معها الاعتراف، وليست عنده الآن مشكلات مع إسرائيل أو مع جيرانه الأفارقة، بخلاف ما كان عليه الوضع حتى الثمانينات. وأما النظام السوري فقد استعاض عن ممارسة التحرير المباشر بدعم حركات المقاومة الثورية أيام الرئيس حافظ الأسد، وأيام ابنه الرئيس بشار الأسد. وقبل يومين، اتهمه بعض المجتمعين في دمشق في نطاق دول جوار العراق، بأنه لا يزال يسرّب مسلحين وسلاحاً الى العراق، كما فعل مع لبنان والأردن وفلسطين. لكن الجميع يعترفون له بالإسهام الإيجابي في الحرب على الإرهاب، ويتعزَّون بأن استخدامه للمسلحين في السنوات الأخيرة هو من بقايا المرحلة السابقة. ويستشهدون على تغيُّره لهذه الناحية بإقباله على التفاوض مع إسرائيل. وليس هناك قلقٌ لدى الأنظمة العربية الثورية وغير الثورية في شأن الشرعية الدستورية. فليست هناك حركات معارضة داخلية قوية تطالب بالحريات والانتخابات الحرة والشفافة.
أما الدول الكبرى التي طالب بعضها الأنظمة العربية بالديموقراطية، فقد كفّت عن ذلك، بعد أن تكوَّن لديها انطباع بأن الانتخابات الحرة ستأتي بإسلاميين الى السلطة، والأوضاع المستمرة والمستقرة منذ أربعين عاماً وأكثر، أفضل لها وأرجح في تحقيق مصالحها.
وبذلك، فالذي يبقى أن الحركات الثورية العربية – الإسلامية هي التي تعاني من مأزق الجدوى، ومأزق الشرعية. فإما أنها حققت أهدافها، وما عاد هناك مبرر لوجودها أو لشرعيتها، أو أنه ثبت أنها بصيغتها الحالية، وأساليب كفاحها، لن تستطيع بالتأكيد أن تصل الى بعض ما حلمت به وناضلت من أجله منذ الثمانينات من القرن الماضي. وأي مأزق أوضح وأعمق لدى هذه الحركات من لجوئها في السنوات القليلة الماضية الى استخدام سلاحها ضد المدنيين في المدن التي تتوطن فيها، بدلاً من استخدامه ضد العدو!
وهكذا، فإن مسألة الشرعية في العالم العربي ما وجدت حلاً، لكنها انتهت نهايات مأسوية. وتركت بالفعل جراحاً غائرة في المجتمعات، وفي الانتظام السياسي والتنموي والإنساني، وقبل ذلك وبعده في فكرة الدولة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
* كاتب لبناني
"الحياة"




















