في آب/أغسطس 1951، كان الخبز يقتل. ففي مدينة "بون سان اسبري" في مقاطعة "غار" الفرنسية، توفّي خمسة أشخاص وجُنّ العشرات. هكذا يتوقف المؤرخ ستيفان كابلن، الاختصاصي في تاريخ الخبز، عند هذه الحادثة المأساوية التي اشتهرت في فرنسا وخارج الحدود، ليجري تحقيقاً يعود فيه إلى أصل التسمّم، مستغرباً إهمال القضاء في تلك الفترة [1]. وقد أشير إلى الجودر المخلوط بطحين القمح على أنّه سبب المأساة، لكن بصعوبة؛ ما ترك شكوكاً حول المسألة. يعيد كابلن وضع الحادثة في إطار فترة ما بعد الحرب والخوف المنبعث من النقص في الخبز الذي استرجع، للمرّة الأخيرة، دوره بامتياز كغذاء.
يعود المؤرّخ إلى النظام الملكي القديم في فرنسا ليتفحّص دور هذا الغذاء في العقد الذي يربط الدولة بالشعب: فشرعية الحكّام كانت رهناً بقدرتهم على تأمين الخبز الجيّد، الخبز الأبيض. هكذا يركّز التحقيق على تنظيم التموين. فشبكة الحبوب -الطحين- الخبز قد عرفت، وفق المراحل، تحوّلات ذات معنى، تطرح بالملموس أسئلةً تتكرّر في الزمن الجديد. إذ ما هو التنظيم الأكثر فعاليّةً؟ أراد الفيزيوكراتيون [2] حرية تجارة الحبوب التي فرضها الوزير تورغو لفترةٍ قصيرة. لكن المجاعة التي نجمت عن غلاء الحبوب قد أبعدت الشعب عن الملكية في حركةٍ أدّت إلى ثورة 1789 كان سعر القمح خلالها محور نقاشات إستراتجية [3]. بعدها، أعادت الإمبراطورية الثانية (1852-1870) حريّة هذه التجارة.
في العام 1951، كان المكتب الوطني المهني المشترك للحبوب ONIC الذي تأسّس مع "الجبهة الشعبية" (1936-1939) يسيطر على تنظيم التموين. وكانت إدارته الحرفية تجمع بين نقابات المطاحن والأفران. وقد تعزّز دوره بفعل الحرب وما تلاها من مصاعب التموين مضطرّاً إلى تأمين أسعارٍ جيّدة لمنتجي القمح، وأسعارٍ منخفضة لمستهلكي الخبز. معضلة سياسية لا حلّ لها. هكذا حدّد المكتب الأسعار، ووزّع الطحين على المناطق بين المقاطعات المكتفية وتلك المحتاجة (جاءت السلعة المسمّمة من مقاطعة "فيينّ").
ظهر المكتب مقصِّراً، لا بل مذنباً. إذ كانت النوعية المزرية للطحين ذو اللون والطعم المشكوك فيهما، قد أثارت صرخات تحذيرية في عدّة مقاطعات يجري تموينها. ليس فقط أنّه لم يتمّ الإصغاء إلى هذه الصرخات، بل كان المكتب يدفع دائماً باتجاه زيادة الإنتاج عبر رفع نسبة الاستخراج إلى أقصى حدّ، مع إضافة طحينٍ من حبوبٍ أخرى. وقد أخفت السلطات السياسية المسؤوليات. فهل كان يمكن للسوق أن يكون أكثر "فعاليّةً" وفق التعبير العزيز على قلب خبراء الإدارة عندنا؟ يعود السبب في تسمّم "بون سان اسبري" إلى رغبة الربح لدى طحّانين غير متورّعين، أكثر منه إلى الالتزام بتوجيهات المكتب المهووس بالكميّات.
يدفع التحقيق التاريخي المتقن الذي أجراه كابلان إلى التفكير في تنظيم الأسواق انطلاقاً من حالاتٍ عملية وليس عبر نقاشات لاهوتية. هكذا لا تنتمي قضية "بون سان إسبري" إلى ماضٍ غابر، حيث تضاعف سعر الطحين عام 2007 ولم يعد الاكتفاء الغذائي العالمي مؤكّداً في المدى القريب؟ فتاريخ الخبز لم ينتهِ، بالرغم من هذا الكتاب الذي يتألّف من ألف صفحة والذي يعيد الأمل في جرأة النشر الفرنسي.
* استاذ العلوم السياسية في جامعة باريس العاشرة (نانتير)، ومؤلف كتاب Histoire sociale du suffrage universel en France, Paris, Seuil, 2002. Les élites contre la République : Sciences Po et l’ENA, La Découverte, Paris, 2001.
[1] Stephen Kaplan, Le Pain maudit. Retour sur la France des années oubliées. 1945-1958, Fayard, Paris, 2008, 1136 pages, 39 euros.
[2] الفيزيوقراطيوّن Physiocrates (من الكلمة الإغريقية التي تعني الحكم عبر الطبيعة) هم مدرسة فكر اقتصادي وسياسي نشأت في فرنسا في القرن الثامن عشر، أسّست للاقتصاد السياسي الحديث.
[3] Florence Gauthier et Guy-Robert Ikni, La Guerre du blé au XVIIIe siècle. La critique populaire contre le libéralisme économique, Editions de la passion, Paris, 1988, 236 pages, 23 euros.
"لوموند ديبلوماتيك"




















