أظهر الافرقاء الفلسطينيون أخيراً مرونة واستعداداً كانا غائبين لمناقشة ما يختلفون في شأنه، خصوصاً المصالحة الفلسطينية من البوابة المصرية، من دون تغيير كاف في المواقف ومن دون التخلي عن تكتيكات التذاكي من هذا الطرف أو ذاك، كابداء مرونة من مسؤول واظهار تشدد من آخر في الفريق عينه، أو الاعتقاد بأن المصالحة والانقسام ورقة رابحة، فلماذا التخلي عنها وما الثمن لذلك؟
ومن عجائب الدنيا ان يكون لانهاء الانقسام الفلسطيني ثمن بخلاف ان يكون هو ذاته الثمن لنهاية اوجاع الانقسام وما يخلفه على الحياة الفلسطينية اليومية حاضراً ومستقبلاً بما في ذلك المعركة مع اسرائيل لانهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية.
المرونة والاستعداد توفرا بعد زيارة عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" نبيل شعث لغزة ولقائه مسؤولين رفيعي المستوى من حركة المقاومة الاسلامية "حماس" بمن فيهم رئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية، واعلان الأخير ان المصالحة الفلسطينية باتت قريبة، وانها هدف استراتيجي له ولحركته، مع أن عضو المكتب السياسي للحركة محمد نزال استبعد المصالحة، وشن هجوماً على السلطة الفلسطينية بكلمات وتعبيرات لا تتناسب مع المناخ الايجابي بعد زيارة شعث، وعودة اثنين من قادة "فتح" الى القطاع هما محمد القدوة (محافظ مدينة غزة) وأسامة الفرا (محافظ خان يونس) للاقامة هناك بعد مغادرتهما غزة عقب الانقسام.
"فتح" من جهتها تعلق أهمية على امكان انتزاع حق العمل السياسي للحركة في قطاع غزة الذي حظرته "حماس" بعد سيطرتها هناك، وتعتبره دليلاً مناسباً واشارة الى رغبة "حماس" في اجراء مصالحة بصرف النظر عما اذا كانت البوابة المصرية لا تزال مقبولة لديها أو مرفوضة، مع ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس جدد القول قبل أيام انه على استعداد للقاء رئيس المكتب السياسي لـ "حماس" خالد مشعل بعد ربع ساعة من توقيعه الورقة المصرية للمصالحة، وانه لن يأخذ برأي واشنطن او أي طرف دولي لا يريد للمصالحة الفلسطينية ان تتم، اذا ما رغبت "حماس" بالمصالحة حقا واخرجتها من عبء الخلافات الاقليمية.
صحيح ان ثمة في الطرفين من لا يريد للمصالحة ان تتم سريعاً، لكن الاتجاه الذي يقف مع الرئيس عباس يعلق أهمية قصوى على المصالحة الفلسطينية في المعركة السياسية الكبرى مع اسرائيل حيال انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية من طريق المفاوضات او من طريق بناء مؤسسات الدولة والتوجه الى مجلس الامن للحصول على اعتراف بحدود الدولة الفلسطينية او بدمج الخيارين معا.
وهناك، كما يقول الفلسطينيون، ما يبرر الاعتقاد بامكان اطلاق مفاوضات غير مباشرة قريباً، من دون تحديد زمانها، وان الرئيس عباس سيتشاور في الايام المقبلة مع عدد من الزعماء العرب قبل ان يقرر معاودة المفاوضات. وهو لهذه الغاية سيزور دمشق ويلتقي الرئيس السوري بشار الاسد قبل نهاية الشهر الجاري في اول لقاء بينهما منذ فترة طويلة.
وسيناقش الرجلان التطورات السياسية في المنطقة والأخطار التي تحدق بها، اضافة الى القمة العربية المرتقبة في ليبيا نهاية الشهر المقبل.
وأكدت مصادر فلسطينية رفيعة المستوى انه "في حال وقعت حماس ورقة المصالحة المصرية، فانه سيصار الى عقد اجتماعات رسمية معها"، فيما نقلت صحيفة "الايام" الفلسطينية عن عضو اللجنة المركزية لـ"فتح" عزام الاحمد ان "عباس سيصل الاحد (اليوم) الى ليبيا للقاء الزعيم معمر القذافي بهدف تنسيق المواقف استعداداً للقمة العربية ومناقشة الاقتراح الاميركي اجراء مفاوضات فلسطينية – اسرائيلية غير مباشرة، والبحث في موضوع المصالحة العربية – العربية ووضع حد للخلافات العربية التي تنعكس سلباً على جهود المصالحة الفلسطينية".
ويبدو أن إسرائيل منزعجة من التحركات الفلسطينية الرسمية لضبط أي مفاوضات جديدة معها على طريق اقامة دولة فلسطينية عبر المفاوضات أو عبر مجلس الامن. ولهذا عبّر مكتب رئيس وزرائها عن "استيائه الشديد" من تصريحات وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير التي قال فيها "يمكن التفكير في الاعلان والاعتراف الفوري بدولة فلسطينية حتى قبل المفاوضات المتعلقة بحدودها". واعتبرت اسرائيل هذه التصريحات "خطيرة" لأنها تتجاوز المفاوضات الثنائية وترسم حدود الدولة الفلسطينية وتصبغ على مسار بناء مؤسسات الدولة التي يقودها عباس ورئيس حكومته سلام فياض شرعية دولية اعلى ويحررها من طابعها الاحادي.
وتنزع المصالحة الفلسطينية آخر الذرائع أمام اسرائيل وغيرها لإطلاق مفاوضات انهاء الاحتلال واقامة الدولة. لذا قد يكون ضرورياً في هذه المعركة السياسية ان تتحرر المصالحة الفلسطينية من عبء المحاور وعبء المصالح الفئوية للفصائل الفلسطينية. وعلى هذه القاعدة يتحرك عباس ويطمح الى توفر شريك فلسطيني للمصالحة، وهو يبدي كل استعداد مع ليبيا ودمشق لاحتواء "حماس" شريكاً واقعياً للمعركة مع اسرائيل. والورقة المصرية توفر ذلك، اذ تشدد على ان تكون أي اجراءات للمصالحة منسجمة مع القانون الأساسي الفلسطيني وتفتح الباب امام عودة "حماس" الى الشرعية الفلسطينية.
والسؤال: هل يستطيع عباس تحويل الورقة المصرية ورقة عربية من دون تغيير محتواها وهدفها؟ أي هل يمكن دفع "حماس" واغراءها بمنافع وطنية لمصالحة لا تتعارض مع شروط عباس ولا تبعدها عن حلفائها العرب؟
رام الله – من محمد هواش
"النهار"




















