حين يكون الاحتكام للسلاح هو خيار بعض الأطراف داخل الدولة الواحدة مع توفر فرصة للحوار، فإنما يعتبر ذلك شكلا من اشكال التأخر عن القراءة الصحيحة لتحولات السياسة الدولية المعاصرة التي اخذت تعلي من معايير حقوق الانسان وتشجب اللجوء الى القوة في تسوية الخلافات سواء بين الدول او داخل الدولة الواحدة ، حيث يكون الانسان الأعزل هو الضحية في كل الاحوال ، كما ان استمرار التنازع بين فرقاء الدولة الواحدة يؤدي الى استهلاك امكانيات البلد فيما لا طائل تحته وفيما لا يخدم المصلحة العليا للبلد بقدر ما يخدم مصالح فردية.
وفي الحالة اليمنية نجد أن تسوية التفجر في الشمال مع الحوثيين قد تم بتحكيم السلاح امام إصرار كل طرف على موقفه سواء الحكومة اليمنية او جماعة الحوثي ، ولذلك اتسعت رقعة القتال وتصاعدت اعداد الضحايا من العسكريين والمدنيين حتى طالت شخصيات ذات تأثير على الجانبين.
وربما نكون قد اشرنا من قبل الى بواعث الارتياح للتوصل الى اتفاق مع الحوثيين يحقن دماء ابناء الوطن الواحد مهما اختلفت آراؤهم وتوجهاتهم السياسية فالخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية كما يقال ، المهم ان يكون الطرفان على استعداد لتواصل هذا الود المنقطع لكن الارتياح كان مشفوعا ببعض القلق من ان تتحول دفة الأزمة في اليمن من منطقة الى اخرى مع استمرار الاحتجاجات وتصاعد المعارضة في الجنوب. خاصة وان التصعيد بلغ أمس اقصى مستوياته بموجة اعتقالات في صفوف المحتجين في بعض محافظات الجنوب.
ومع تصاعد هذه التوترات في اليمن يتصاعد قلق الحريصين على استقرار اليمن وتنميته ومعالجة ازماته الاقتصادية كخيار بديل عن الاستمرار في إغلاق ابواب الحوار واللجوء الى العنف كبديل. وتأتي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مقدمة الدول الحريصة على استقرار اليمن ومن وراء المجلس كافة الدول العربية الشقيقة. ففتح آفاق للحوار الموضوعي والانصات لمطالب كل طرف والوساطة النزيهة والشفافة يمكن ان تخرج اليمن من ازماته باحترام الآليات التي تتبع للتداول السلمي للسلطة في إطار القانون والدستور وبدعم الدول الشقيقة والصديقة. واذا كان مؤتمر المانحين لليمن والذي استضافته العاصمة السعودية الرياض واختتم امس قد بحث خطة لمكافحة الفقر والتطرف في اليمن وتوسيع فرص تطوير قطاعات الخدمات وتحسين احوال المعيشة للشعب اليمني ، فإن من اوليات نجاح هذه الخطة ان يتم تسوية الخلاف الناشب بين الحكومة اليمنية وبين بعض شرائح الشعب اليمني في الجنوب حيث يكون دائما من المتعذر تطبيق خطط تنمية في ظل توترات امنية وفساد إداري يبتلعان كل مخصصات التنمية.
إن الاستقرار الامني هو السبيل الى نجاح مسيرة التطوير التي دعا إليها كل من مؤتمر لندن من اجل اليمن والذي يعتبر مؤتمر الرياض امتدادا له وتفعيلا لأهدافه. كما ان عدالة التوزيع لمنافع التنمية والتطوير في كامل محافظات اليمن يمكن ان يحفز امكانات فتح حوار مع كل الأطراف التي تبدو حاليا على طرفي نقيض من خلال تصريحاتها المعلنة ، لكن إظهار ضوء في آخر النفق لكل الفئات المحتجة على السياسات او التي تشكو من الإقصاء والتهميش سيساعد ولا شك في معالجة مشكلات اليمن الامنية ، ولا ينبغي استغلال المواقف العربية والدولية الداعمة لوحدة اليمن في تعقيد الأمور والإصرار على عدم الحوار ، حيث هناك بالتأكيد من يتربص بأمن اليمن واستقراره ، خاصة وان المطالب المرفوعة من جانب المحتجين تتعلق بمعالجة النزاع وليس المطالبة بالانفصال كحتمية تسبق غيرها كما اشاروا في مطالبهم المرفوعة الى مؤتمر الرياض امس. ونحسب ان حل مشكلة اليمن ممكنة وفي المتناول اذا صدقت النوايا.
الوطن – سلطنة عمان




















