وسام سعادة
يصعب على "منظومة الممانعة" التي تقودها إيران وقف الجموحَين النوويّ والإقليميّ. يصعب أيضاً تصوّر نهايات سلميّة لهذين الجموحين.. اللهمّ إذا تحرّكت الأمم العظمى، وتحديداً "نادي الستَّة" (ألمانيا، الصين، أميركا، فرنسا، روسيا، بريطانيا)، وقبل فوات الأوان، لممارسة أوسع ضغط جماعيّ من شأنه اإنبثاق شرق أوسط جديد يضبطه النظام الدوليّ. ما لم تتأمّن فرص مثل هذا الضغط الجماعيّ من قبل الأمم الـ6 العظمى (والمشابه في تأسيسيته لمؤتمر يالطا عام 1945 الذي أعاد صياغة أوروبا) فإن الأمور سائرة في الشرق الأوسط، عاجلاً أم آجلاً، نحو الإصطدام الكبير، الإصطدام الذي لن يفكّر أحد بعده بنفي مقولة "صدام الحضارات".
فـ"منظومة الممانعة" التي تقودها إيران لا يسعها وقف الجموحَين النوويّ والإقليميّ من تلقاء نفسها. لا تجد نفسها مضطرة لذلك في ظلّ قناعة راسخة بتعثّر "الحرب العالميّة على الإرهاب" التي أعلنها الرئيس الأميركيّ السابق جورج بوش الإبن بعد 11 أيلول، فضلاً عن قناعة أكثر رسوخاً بأن وصول باراك أوباما إلى سدّة الرئاسة في أميركا يعكس ضعفاً شاملاً، وينتج عنه منحى إنكفائي عن الشرق الأوسط وقضاياه.
تبنّي "منظومة الممانعة" حساباتها على أنّ أميركا في حالة ضعف، وإسرائيل في حالة ضعف، وأنّ الموانع القوميّة العربية أمام التمدّد الإيرانيّ أمست بدورها بحالة ضعف شديد بعد سقوط نظام صدّام حسين، وبعد رحيل الرئيس الفلسطينيّ ياسر عرفات. بالتالي، تجد هذه المنظومة أنّه من غير المعقول انتظار عودة أعدائها الإقليميين والدوليين إلى موقع القوّة، وترى أنّه من الإنسيابيّ، والتلقائي تماماً، أن تسعى للتمدّد على حساب هذا الضعف.
و"منظومة الممانعة" لا تنطلق هنا من أوهام. فـ"الحرب العالميّة على الإرهاب" تعثّرت بشكل أو بآخر. ووصول أوباما إلى الرئاسة في أميركا دليل ضعف بشكل أو بآخر. وانقسام الغرب عشية الاجتياح الأميركيّ للعراق هو أيضاً دليل ضعف مجمل هذا الغرب. وحرب إسرائيل عام 2006 على لبنان كشفت أيضاً عن ضعف الآلة الحربية الإسرائيلية. وإذا ما أردنا توسيع الدائرة لقلنا انّ الإنتصار الروسيّ في الحرب على جيورجيا، كما في الإنتخابات الأوكرانية الأخيرة، هو أيضاً دليل على ضعف الغرب عامّة، والسياسة الأميركيّة خاصة.
والمسألة ليست تضخيم أو عدم تضخيم "منظومة الممانعة" لمظاهر الضعف "الإمبرياليّ" هذه. إنّما في عدم قدرة هذه المنظومة على عدم إيقاف جموحها أمام مرأى مظاهر الضعف هذه، وذلك من دون أن تكون هذه المنظومة بالجرأة الكافية لطرح الأسئلة الجذرية المطلوبة، وأوّلها هل انّ هذه المنظومة راغبة، ومستعدّة، للدفع بالإصطدام الإقليميّ، إلى حافة الإصطدام الشامل، بل إلى حافة الإصطدام النووي، بما أنّ القوة المعادية التي تطرح إيران محوها من الخارطة اليوم، هي دولة نوويّة، كما أنّ القوّة الإقليميّة التي تطمح إيران الى ان تجسدها في يوم قريب هي أيضاً قوّة نوويّة؟.
هل تأخذ "منظومة الممانعة" إحتمال المواجهة النووية في الشرق الأوسط على محمل الجدّ؟ خطاب الممانعة لا يوحي بذلك. منطق سير الأمور لدى قوى الممانعة يوحي بأنّها تدفع في هذا الإتجاه عن وعي أو عدم وعي.
هنا، بالتحديد، يمكن فهم مغزى المشابهة التي أقامتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بين أزمة البرنامج النووي الإيرانيّ الحاليّة وبين أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا عام 1962. هذه المشابهة هي أهم ما قيل بعد عام كامل من الجمود الأوباميّ.. وقد تبيّن أن الجمود كان الإسم الفعليّ لوعود "التغيير".
فكلينتون التي حاولت الدفاع عن سياسة "اليد الممدودة" الأوباميّة بوجه من يهاجمها من المحافظين، إنّما انتقدت هذه السياسة في العمق من خلال تذكيرها بـ"ديبلوماسية التوتّر العاليّ" التي اعتمدها الرئيس المغدور ج.إف. كينيدي إبان أزمة الصواريخ. طبعاً، هي حاولت إيجاد "فتوى تقريبية" بين السياستين، من خلال نظريتها في "الصبر الإستراتيجي" تجاه إيران، أي ضرورة استخدام كل المحاولات الديبلوماسيّة الممكنة لحل الأزمة قبل الذهاب إلى "ما بعد الديبلوماسية". وتعني نظرية "الصبر الإستراتيجيّ" هنا أنّ لا حاجة لـ"الإستباق" و"الحروب الإستباقية"، لكنها تعني أيضاً أنّ مستوى التدمير سيكون غير مسبوق في حال بذلت كل المحاولات الديبلوماسيّة ولم يؤدّ ذلك إلى الحل الناجع.
فمنطق "ديبلوماسيّة التوتّر العاليّ" الذي اعتمده كينيدي لم يكن منطق التظاهر بالإستعداد للنزال النووي مع السوفيات، بل كان منطق الإستعداد فعلاً لهذا النزال، بل إنّ الأرشيف يكشف أكثر فأكثر أنّه كان منطق شروع في هذا النزال. وأزمة الصواريخ كسبها كينيدي لأنه أخذ فعلاً القرار، في اللحظة المناسبة، بالشروع في النزال النوويّ، ولأنّه ظهر أن السرعة اللوجستية الأميركية على التحرّك لا يمكن أن يجاريها الدبّ الروسيّ، الأمر الذي أدى إلى خسارة الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشيف للأزمة آنذاك، وسحبه الصواريخ النووية من كوبا.
لقد حسمت الحرب الباردة يوم كسب كينيدي أزمة الصواريخ. وانتحر الإتحاد السوفياتي كذلك الأمر يوم خسر خروتشيف هذه الأزمة. والمشابهة بين أزمة صواريخ عام 1962 والأزمة مع إيران حالياً جائزة تماماً من ناحية أنّها مصيريّة بالنسبة إلى تفوّق القوّة الأميركيّة.. لكن المشكلة، كل المشكلة، أنّ أوباما يشبه نيكيتا خروتشيف أكثر مما هو يشبه ج.إف. كينيدي. وهكذا فإن الأمور متجهة في الشرق الأوسط إمّا لصياغة إجماع "الأمم العظمى الستّة" من أجل فرض حل دوليّ شامل أميركيّ فرنسيّ بريطانيّ ألمانيّ – روسيّ صينيّ يعيد ضبط الشرق الأوسط بنظام دوليّ يعاد بناؤه هو الآخر على محكّ حل قضيتي الشرق الأوسط (المشروع النووي الإيراني، والصراع العربي الإسرائيليّ) وإمّا أنّ الأمور ذاهبة باتجاه انكفاء دوليّ شامل عن مسرح الشرق الأوسط، بحيث تخلى هذه الساحة، إلا لإيران وإسرائيل، أي لمنطق الحرب الإقليميّة الكلّية الشاملة.. الإقليميّة في البدء على الأقل.. والقابلة للتوسّع عالميّاً بعد ذلك.. لأنّ الحرب تنتقل كما العدوى أحياناً.




















