اسعد حيدر
المفاجأة الوحيدة في قمّة دمشق، التعامل الرسمي مع السيّد حسن نصرالله كأنّه الرئيس الثالث على قدم المساواة مع الرئيسين بشّار الأسد وأحمدي نجاد. تكريم أمين عام "حزب الله" جاء تأكيداً لموقعه كقائد للمقاومة التي حاربت وانتصرت في حرب تموز 2006 من جهة، وتثبيتاً لموقع لبنان غير الرسمي في معادلة الممانعة والمجابهة. لولا هذا، لكان خالد مشعل أمين عام حركة "حماس" وباقي رفاقه من قادة الفصائل الذين شاركوا في مؤتمر طهران، حاضرين في العشاء الذي أطلق عليه "العشاء النووي".
حرب تموز وتغيير موازين القوى
مشاركة السيد حسن نصرالله في القمّة، تأكيد جديد لدور لبنان المفصلي في جبهة الممانعة، سواء وافق لبنان الرسمي أو رفض. لا خيار لأحد في القرار، طالما أنّ قرار الحرب والسلام في دائرة أخرى. لولا "انتصار تموز 2006" لما تغيّرت المعادلات إلى درجة حصول تغيير أساسي في موازين القوى. التهديد بسلاح الصواريخ في لبنان ضدّ إسرائيل أصبح جزءاً أساسياً من المعادلة الرادعة للحرب حالياً. أما المستقبل فما زال معلّقاً على جملة متغيّرات انقلابية غير منظورة حتى الآن رغم كل "طبول الحرب" التي تقرع بقوّة.
من بيروت بدت قمّة دمشق وكأنها إعلان مدوي للحرب القادمة في المنطقة، في الواقع انّها "مظاهرة مليونية" لتأكيد الوحدة والعزم والإرادة على المواجهة إذا ما فُرضت الحرب. طهران هي الحلقة القوية الضعيفة في هذه "المظاهرة". قويّة لأنّها الأقوى، ولأنّها مركز المواجهة بسبب الملف النووي من جهة ومن جهة أخرى لأنها تريد أن تأخذ موافقة دولية خصوصاً أميركية لشرعيّة دورها كقوّة إقليمية عظمى في منطقة الشرق الأوسط تملك صياغة القرار وتنفيذه بدون شراكة من الخارج وبطبيعة الحال من الداخل الاقليمي. لكن إيران أيضاً ضعيفة لأنّها بدون هذه "الدوائر الحديدية" حولها من دول ومنظمات عربية، لكانت مضطرة للدفاع عن نفسها داخل دائرتها الجغرافية الضيّقة التي مهما بدا قطرها كبيراً فإنّه يبقى محدوداً لأنّه عندها سيكون بلا خطوط دفاع أماميّة عنه.
في هذه القمّة وبعدها مؤتمر "مستقبل فلسطين" في طهران عرضت إيران أمام العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، في استعراض واسع لقوّتها كل "أسلحتها". لم يعد يوجد أسرار في زمن العولمة. "الرسالة" الإيرانية واضحة، في زمن ترتفع فيه الأصوات الداعية للحرب في الغرب، نحن أربعة في واحد (بالإضافة إلى القادة الثلاثة يوجد قادة الفصائل الفلسطينية وفي مقدمها "حماس") وواحد في أربعة. عنوان هذه "الرسالة" نحن مستعدون لإشعال الشرق الأوسط كله إذا ما اقتربتم منّا. لغة الدفاع هي الحاضرة أكثر من لغة التهديد بالحرب. "الدمشقيون" ينقلون من دمشق صورة أكثر واقعية وتواضعاً للقمّة، "لا يضعونها في خانة الهجوم وإنما في دائرة الدفاع"، يؤكد "الدمشقيون" انّ الدوافع لعقد القمّة:
"تحريك الوضع العربي". جمود هذا "الوضع" أصبح مخيفاً، لم يعد فقط تأكيداً على "العجز" وإنما على التسليم بواقع جديد. الوضع العربي يكاد يتحوّل إلى مثل حالة الشهيد محمود المبحوح بعد أن جرى تخديره ومن ثم خنقه بدم بارد لا يقوم به إلاّ مجرمو "الجرائم المتسلسلة" أي المكرّرة.
فصل المسارات؟
في مواجهة هذا الجمود العربي، تتحرّك إسرائيل وتصعّد في جميع الاتجاهات. لم يعد يوجد أي رادع يردعها. دوريات جوّية دائمة فوق المنطقة. تهديدات علنية بأنها تحصي حركة كل واحد على مساحة العالم العربي. وهي أقدمت مؤخراً بعد ان ثبت "انسحاب" الردّ العربي على كل العمليات التي تقوم بها إلى ما وراء "خطوط" الخطابة والخطابات، إلى نقل المواجهة من الدائرة الصغرى فلسطين وما حولها إلى الدائرة الكبرى، كما حصل في دبي.
انّ ارتفاع سقف الشروط والمطالبة الأميركية "لفصل المسارات بين دول الممانعة تحديداً بين دمشق وطهران"، تطلب ردّاً قوياً بحجم قمّة دمشق. هذه القمّة حملت "رسالة" مزدوجة إلى واشنطن من جهة وإلى القمّة العربية المقبلة من جهة اخرى "ان العلاقات مع إيران شيء والعلاقات العربية العربية شيء آخر". عكس رفض فصل مسارات الممانعة، فإنّه يجب فصل المسارات العربية في التعامل مع دمشق، أي قبولها كما هي وكما تتطلب استراتيجيتها لتحقيق مزيد من النجاحات والمكاسب.
يبقى "حزب الله". لا شك انّه الرابح الأكبر لأنّ إيران وسوريا أكدتا اعترافهما به "قوة ثالثة" على قدم المساواة مع الدولتين. لكن هذا "الاعتراف" ليس إلا تشجيعاً ميدانياً لإكمال الدور المرسوم له في معادلة الردع والحرب معاً، مع العلم انّ طهران ودمشق هما اللتان ستقطفان ثمرة موقعه ودوره سواء في الحرب أو المفاوضات. مهما تضخّم دوره الخارجي، فإنّه سيبقى تحت سقف النظام اللبناني الذي يمنحه "حصّة" محددة ومحدودة، زائد حق "الفيتو" كما يحصل حول أي قرار لا يوافق عليه. أما مسألة كسر هذا السقف، فإنّها تبقى مرتبطة بنسق الصيغة اللبنانية كلها وهو ما ليس مطروحاً في المستقبل المنظور إن لم يكن أبعد من ذلك.
واشنطن فكفكت بسرعة "شيفرة" الرسائل التي وجهتها قمّة دمشق. فقد سارعت إلى مطالبة تل أبيب ودمشق بـ"عدم التصعيد" والاكتفاء بما يحصل حتى الآن. ايهودا باراك الذي زار واشنطن سارع أيضاً بعد ان التقى المسؤولين الأميركيين وفهم انّ العقوبات مؤجّلة والحرب غير واردة حالياً إلى الإعلان بأنّ "الإيرانيين متشددون لكنهم ليسوا مجانين". أفضل ما في هذا المختصر المفيد أنّ مَن يريد إشعال الحرب في المنطقة "مجنون". مشكلة الطرفين في هذه المواجهة انّ غياب "الجنون" لا يعني مطلقاً غياب "المغامرة" على حافة الهاوية.
هذا "التوتر المضبوط"، لا يعني مطلقاً الهدوء على جميع الجبهات. "الحرب الخفيّة" يجري تصعيدها بقوّة. عملية دبي لن تكون العملية الأخيرة. مثل هذا "الزلزال الأمني" لا بد أن تستتبعه "زلازل ارتدادية" قد يكون بعضها أكثر خطورة. أخطر ما في هذه "الحرب" ان "دائرتها" أصبحت كبيرة جداً ولم تعد محصورة في زاوية محددة. لذلك يجب الاستعداد بقوّة للمفاجآت.
الحلقة الضعيفة في كل ذلك هو لبنان، الذي رغم أنه يعيش تحت "مظلة أمنية" عربية دولية متفق عليها، إلا أن غياب الثوابت وتضخم المتغيّرات تشرع أبوابه أمام كل "الرياح" القادمة من الخارج، فهل يحتاج اللبنانيون إلى تجربة جديدة لكي يَعقِلوا؟




















