كانت الفقرة الأولى في مقدّمة الإعلان الدستوري في سوريا، الذي صدر عن الرئيس الشرع في 13 مارس 2025، منذ عام، على الشكل التالي:
«في فجر يوم مشهود، تنفس صبح النصر، وانطلقت سوريا نحو عهد جديد، إيذانا بزوال الظلم والقهر وانبعاث الأمل في بناء دولة حديثة قائمة على العدل والكرامة والمواطنة الحقة، فقد جثم الاستبداد على صدور السوريين، إذ امتد لـ6 عقود نظام شمولي فرضه حزب البعث، فاحتكر السلطة، وصادر الحقوق، ومكّن لحكم استبدادي قمعي أجهز على مؤسسات الدولة، وأفرغ الدستور من مضمونه، وحوّل القانون إلى أداة للقمع والاستعباد».
اختصر الإعلام ذلك الإعلان بالجملة التي نصّت على أن الفترة الانتقالية تمتدّ لخمس سنوات. وقد توقّف الذين قرأوا الإعلان قليلاً، عند طول تلك الفترة، وعند قائمة صلاحيّات الرئيس.. ونقاطٍ أخرى. في هذا المقال توقّفٌ عند محطّة أولى على مسار صياغة وإقرار دستور دائم للبلاد، تنتهي معه مفاعيل الإعلان الدستوري، ويحصل بالفعل ما تمت الإشارة إليه في السطور أعلاه، وغيره ممّا لم تتمّ الإشارة إليه.
تتناول هذه المحطة نماذج مختارة بشكل مقصود لبدء إجراءات صياغة الدستور حتى إقراره في بلدان معيّنة هي اليونان وإسبانيا في أوروبا، وجنوب افريقيا ورواندا في افريقيا، مع أن تلك الإجراءات قد مرّت على أكثر من 200 دولة ودستور منذ خمسينيات القرن الماضي.
اختصر الإعلام السوري الإعلان الدستوري بالجملة التي نصّت على أن الفترة الانتقالية تمتدّ لخمس سنوات وقد توقّف الذين قرأوا الإعلان قليلاً، عند طول تلك الفترة، وعند قائمة صلاحيّات الرئيس
في الستينيات والسبعينيات، توجّهت الأنظار إلى اليونان، الذي حكمته حكومة عسكرية/ ديكتاتورية بين 1968 و1973. تعرّضت تلك الطغمة، وتلك الحكومة كانت من أسباب شيوع مفهوم الطغمة، لهزّة «قومية» حادّة، وانهارت مصداقيّتها بسبب خسارتها لوحدة قبرص، بعد اجتياح تركيا لجزئها التركي، فانهارت هي ذاتها إثر ذلك. وتمّ تشكيل «حكومة الوحدة الوطنية» في يوليو 1974، التي أعادت العمل بدستور 1952 مع وقف تنفيذ بنوده المتعلّقة بالملكية.. وفيما أُطلق عليه «القانون الدستوري»، تمّ تحديد إجراءات صياغة وإقرار دستور جديد.
انتُخب برلمان أُعطي اسم «برلمان المراجعة»، لأن وظيفته الأساسية ستكون مراجعة المسودّة التي أعدّتها لجنة من الحزب، الذي فاز بثلثي مقاعد البرلمان، وتمّت مناقشتها شعبياً حتى قبل عرضها على الحكومة التي أقرته أيضاً بعد مناقشات معمّقة، ثمّ في لجنة برلمانية من 37 عضواً بأوسع تمثيل ممكن، وأقرّه البرلمان نفسه بعد ذلك. أخيراً عُرض على الاستفتاء الشعبي أوّلاً مصير الملكية التي اختار ما يقارب 70% من الناخبين إلغاءها، وعُرضت مسودة الدستور على استفتاء ثان بعد ذلك. لم تتدخّل قوى خارجية في ذلك المسار عموماً، لكنّ الدستورين الألماني والفرنسي كانا من بين النماذج المطروحة واسعة التأييد. وتمّ حظر أيّ تعديل للدستور في السنوات التالية لإقراره في عام 1975، بعد عامين من الانقلاب.
كان مسار الدستور الإسباني (الديمقراطي) درامياً أكثر، حيث غطّت المرحلة الانتقالية أواخر عهد الديكتاتور التاريخي فرانكو، وأوائل الفترة التي تلت موته أيضاً عام 1975. كانت تلك الفترة حافلة بالحراك الشعبي والعمّالي، وبالاضطرابات العنيفة، وتصاعدت المطالبة بحقوق الباسك في الحكم الذاتي.
دخلت كلّ الأطراف السياسية أولاً في مناقشة تفاصيل عملية الإصلاح، لتنظيم الحياة السياسية والحزبية، ولم تجرؤ الحكومة على الانفراد بإقرار تلك الإصلاحات وحدها، من دون عرضها وأخذ رأي المعارضة بالحسبان. بعد عدة أشهر صدر تشريع يسمح بالتنظيم وعقد الاجتماعات، وقُدّمت حزمة الإصلاحات للنقاش والإقرار في المجلس التشريعي، ثمّ أُحيلت لاستفتاء الشعب عليها.
من بين أهمّ ما احتواه ذلك التشريع أيضاً تحديد إجراءات صياغة ومناقشة وإقرار الدستور الدائم. فتمّ ربط اعتماد الدستور بموافقة الأغلبية المطلقة في مجلسي النواب والشيوخ، اللذين تألّف أوّلهما من 350 عضواً منتخبين مباشرة من الشعب، وثانيهما من 207 أعضاء، يعيّن الملك 41 عضواً إضافياً لهم، وكانت سلطاته لا تزال أقوى بسبب دوره في عملية التغيير. تشكّلت مائدة مستديرة من الأحزاب الخمسة الممثّلة في البرلمان من بين 200 حزب ظهر في تلك الأيام ووضعت تفاصيل إجراءات العملية، كما عملت سبعة أشهر متواصلة حتّى توصّلت إلى مسودة الدستور الأوّلية. وبعد عرضها ومناقشتها وإدخال التعديلات تمّت الموافقة عليها في مجلس النواب بأغلبية كبيرة، وأخذت وقتاً أطول في مجلس الشيوخ، الذي دفعت اقتراحاته إلي تشكيل لجنة مشتركة بين المجلسين، حتى التوصّل إلى نسخة مشتركة حازت أيضاً الموافقة الساحقة لتحصيل أكبر توافق ممكن: 325 صوتاً ضدّ 6 في مجلس النواب، و226 ضدّ 5 في مجلس الشيوخ. عُرض الدستور أخيراً على الاستفتاء، وحاولت حركة الباسك مقاطعته، لكنّه حصل على موافقة 87% من الأصوات، في 6 ديسمبر 1978. وتمّت ترجمته إلى لغات البلاد الستّ مباشرة. وكان على الباسك الانتظار إلى فرصة أخرى سنحت لاحقاً للحصول على مقدار أكبر من حقوقها.
في جنوب افريقيا، كانت حكومة الأقلية البيضاء قد ابتدأت عملية إصلاح دستوري في أواخر السبعينيات من أجل زيادة شرعيّتها لدى المجموعات الملونة، دون الأكثرية السوداء مع الضغط الدولي الكاسح ضدّ سياسة الأبارتيد. اقترح الحزب الوطني الحاكم والممثل للأقلية دستوراً جديداً بثلاثة برلمانات للبيض والملونين والهنود، مع استمرار إقصاء السود. في عام 1996، اجتمع قادة الأحزاب بمن فيهم المتحاربون (البيض والسود) لوضع مخطط لصياغة الدستور وإقراره، ثمّ اتفقوا في جلسة عامة أو شبه عامة على المبادئ الرئيسية التي لا بدّ أن يتضمّنها الدستور، إضافة قواعد ناظمة لكلّ مرحلة لاحقة. بعد ذلك أُجريت انتخابات عامة لمجلس تشريعي يكون بدوره هيئة تأسيسية مؤلفة من 490 عضواً، شكّلت لجاناً لبعض الفقرات في الدستور، ولجنة صياغة تشرف على المسار. وصوّت ثلثا الهيئة على النص لاحقاً وبعد المراجعة وإجراء التعديلات، وأُتيحت المسودة للنقاش العام، قبل مراجعة أخيرة للمحكمة الدستورية لضبط توافق مع نصوص المبادئ الواردة في الاتّفاق الرسمي بين الأطراف المتحاربة، وعالجت طعون المجتمع المدني وأفراد الشعب، واقترحت على الهيئة التأسيسية، من ثمّ، تسعة تعديلات على المسودة، وأعادتها إليها لتوافق عليها الهيئة كما وردت.
أمّا في رواندا، الغارقة في الدماء العنصرية، خصوصاً من قبل الأقلية/التوتسي وحكومتها السائدة وقتها ضد الأكثرية/ الهوتو في البدايات الطويلة، حتى جاء ردّ الأكثرية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، بمجازر واسعة غير مسبوقة ضدّ الأقلّية. ووفقاً لاتّفاقات أروشا للسلام، اختارت الجمعية الوطنية الانتقالية لجنة مؤلفة من 12 شخصاً يمثلون مناطق البلاد، لصياغة مسودة الدستور. جرت مشاورات شملت البلاد كلّها، ثمّ رعت اللجنة مؤتمراً وطنياً ضمّ 700 عضو لمراجعة تلك المسودة الأولى، مع حملة إعلامية كبيرة للتوعية والتعريف بالدستور، وكلّ ما يتعلّق به وبمواده ومحتواه، جرى أيضاً استبيان نخبوي ضمّ 50 ألف شخص، لم يكن مفيداً إلّا بمقدار ضئيل.
وكان المطلوب بعد ذلك هو موافقة الجمعية الوطنية الانتقالية المعيّنة من قبل الأحزاب الخمسة أطراف اتفاق أروشا بالتساوي ولمدّة خمس سنوات تمّ تمديدها إلى تسع لاحقاً… وتمّت الموافقة بالإجماع على تلك المسودة، لتُعرض بعد ذلك على الاستفتاء الشعبي، حيث حازت على موافقة أكثر من 93% وبتصويت 83% من المواطنين الذين يحقّ لهم التصويت. أجريت انتخابات عامة بعد إقرار الدستور وعلى أساسه، وابتدأ عهد ازدهار متميّز يصلح مثالاً للإنسانية كلها… وليس للسوريين وحدهم.
كاتب سوري
- القدس العربي

























