كانت بادرة طيبة من السيدة هند عبود قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية اليوم، أن ذكرت رزان زيتونة وسميرة الخليل في “مؤتمر التعافي” في دوما قبل أيام قليلة. هذا أول ذكر عام من قبل مسؤول في سوريا ما بعد الأسدية للمرأتين اللتين اختطفتا في دوما نفسها في الشهر الأخير من عام 2013، برفقة كل من وائل حمادة زوج رزان، وناظم الحمادي الشاعر والمحامي والناشط الحقوقي.
السيدة قبوات قالت إن رزان وسميرة “دفعتا ثمناً كبيراً في الحصار” الذي تعرضت له دوما والغوطة الشرقية حتى إعادة احتلالهما من قبل النظام وحماته في مثل هذه الأيام من عام 2018. العبارة غريبة بعض الشيء، فالمرأتان لم تدفعا على نحو خاص ثمن حصار النظام للمنطقة، لكنهما ربما تكونان قد دفعتا حياتيهما ثمن الحصار من الداخل الذي عزز به جيش الإسلام، المشتبه به الأوحد بارتكاب الجريمة، حصار النظام للمنطقة من الخارج. وبينما من المفهوم ألا توجه السيدة الوزيرة اتهاماً للتشكيل المذكور، المشارك اسمياً في حكم البلد اليوم، فقد كان يمكن لها أن تذكر اسمي وائل وناظم معهما، وربما أن تقول شيئاً عن تحقيق العدالة للمغيبين، ووجوب اهتمام لجنة المفقودين بقضية الأربعة. الوزيرة مشكورة على مبادرتها في كل حال، فقد قالت في دوما بعض ما كان ينبغي أن يقال في دوما.
وهذه مناسبة للتذكير بالقضية وما تجمع لدينا من معلومات موثوقة بشأنها عبر السنين. بوصفي زوج سميرة وصديق رزان ووائل وناظم، فقد كنت في موقع المتابعة الدائمة للأمر، وعلى صلة بأوثق مصادر المعلومات في شأن اختطافهم وتغييبهم.
كل ما هو متاح من قرائن يشير إلى ارتكاب جيش الإسلام لجريمة الخطف والتغييب، وربما قتل وإخفاء أجساد المرأتين والرجلين. كان القضاء المحلي في الغوطة الشرقية، وعلى رأسه وقتها الشيخ أبو سليمان طفور، قد أوقف حسين الشاذلي قبل نهاية عام 2014، واعترف هناك بأنه هو من كان وراء كتابة تهديد بالقتل لرزان في أيلول 2013، قبل نحو شهرين ونصف من الجريمة. أثناء توقيفه زاره زهران علوش، مؤسس جيش الإسلام وقائده في تلك الأيام (قتل في الشهر الأخير من عام 2015)، وطلب الاختلاء به، وهو ما رفضه المحقق في القضية، أبو تمام. زهران غضب وتوعد بإطلاق سراح الشاذلي بالقوة، وهو ما حدث بالفعل بعد أيام. وبالعكس، صار المحقق أبو تمام مطلوباً واضطر للنجاة بنفسه إلى تركيا. وأثناء توقيف “ضابط الأمن” المذكور، اتصل بي شخصياً محمد المصاروة (أبو سلمة) الذي عرفته أثناء إقامتي في دوما والغوطة الشرقية بين 3 نيسان و10 تموز 2013، وطلب إسقاط حقنا الشخصي على الشاذلي لأنه “لم يتصرف من رأسه”! من رأس من؟ سألت أبو سلمة، قال أنت تعرف أنه سمير كعكة. كنت أعرف بالفعل أن كعكة، شرعي جيش الإسلام والرجل الثاني فيه بعد زهران هو من أمر بذلك، وهو من أفتى مراراً باغتيال أشخاص متعددين منهم الشيخ أبو أحمد عيون والمناضل الناصري أبو عدنان فليطاني، ومحاولة اغتيال الشيخ طفور نفسه. كعكة أمر أحد أتباعه بقتل أسامة نصار في آب 2017، وهذا بعد مسعى آخر لاغتيال أسامة بعلم ياسر دلوان الذي يرى في التسجيل المصور للسيدة قبوات. أسامة نصار من ناشطي داريا المعروفين، وكان يعيش مع زوجته وطفلتيهما في دوما، يحرر مجلة “طلعنا عالحرية” التي كانت تصدرها لجان التنسيق المحلية، بينما تدير السيدة ميمونة العمّار، زوجته، منظمة حراس الطفولة التي تعتني بالأطفال في تلك المنطقة المحاصرة.
أما الشاذلي الذي نرى توقيعه على بعض الوثائق الصادرة آنذاك بوصفه “ضابط أمن الغوطة الشرقية” فقد شوهد مراراً بعد ذلك على رأس دوريات لجيش الإسلام.
ثم أنه بعد خطف الأربعة، نعرف يقيناً أن أحد عناصر جيش الإسلام، يونس النسرين، هو من فتح كمبيوتر رزان، وحين علم أننا علمنا بذلك أغلق صفحته على فيسبوك واختفى. وفي عام 2018 بعد سقوط دوما والغوطة الشرقية مجدداً بيد النظام، التقيت بعشرات الأشخاص المهجرين حديثا إلى الشمال، ومنهم من كانوا في جيش الإسلام، ولم يكن بينهم شخص واحد لم يقل إن جيش الإسلام هو المرتكب.
وهناك شهود مستعدون لإدلاء بشهاداتهم في كل هذه الشؤون، إن وجدت عملية قضائية مستقلة، ويجب أن توجد. لدينا امرأتان ورجلان، مشهود لهم بتاريخ شخصي وسياسي مشرف، معارضون للحكم الأسدي منذ سنوات طويلة، ومنذ عقود في حالة سميرة التي كانت معتقلة لأربع سنوات في سجن النساء في دوما نفسها أيام حافظ الأسد. والأربعة كانوا لاجئين ملهوفين في دوما، بعد أن عاشوا حياة التواري في دمشق منذ بداية الثورة في حالة رزان وناظم، وفي وقت لاحق في حالة وائل الذي اعتقل مرتين وتعرض لتعذيب شنيع، ثم في وقت متأخر بخصوص سميرة التي صارت مطلوبة للنظام في أواخر نيسان 2013. سميرة لجأت إلى دوما يوم 18 أيار 2013، وكانت رزان قد سبقتها بنحو ثلاثة أسابيع.
عانى الأربعة مثل غيرهم من الحصار الذي صار مطبقاً في تشرين الأول 2013 بعد الصفقة الكيماوية الأمريكية الروسية التي عنت للنظام إطلاق يده في قتل محكوميه بأي وسائل أخرى (بل وبالكيماوي ذاته كما سيقع لاحقاً عدة مرات). في كتابها يوميات الحصار في دوما 2013 تقارن سميرة بين الحصار في دوما وبين سابق سجنها في دوما كذلك، وتقول إن السجن لعبة أولاد مقارنة بالحصار الذي يستهدف الجميع، الأطفال والنساء والرجال، وبخاصة حين يقترن الحصار بالقصف اليومي العشوائي.
إن في محاولة محو ذكرى الأربعة استمرارا لتغييبهم، بعد قتلهم المحتمل. كأنما لإنكار أنهم وجدوا يوماً
وخلال هذا الزمن الطويل، 12 عاماً وأربعة أشهر وسبعة أيام، 4612 يوماً، لم نتوقف، أهالي المرأتين والرجلين وأصدقاؤهما، عن طلب المساعدة في تحرير الأربعة أو الكشف عن مصيرهم من أي جهات عامة، بما في ذلك من جيش الإسلام بالذات. في عام 2015، وقت كان زهران علوش في زيارة إلى تركيا، وكان كاتب هذه السطور مقيماً فيها حينذاك، تقدمنا بمبادرة للتحكيم بيننا وبين جيش الإسلام. فبالنظر إلى أننا نتهمهم بالجريمة بناء على قرائن قوية، وأنهم ينفون ذلك، فليعرض كل منا ما لديه أمام محكمين عدول نتفق عليهم بالتراضي. لم يلق العرض أي استجابة. وبعد أشهر سلمنا باليد كتاباً لمحمد مصطفى علوش، أبو معن، عضو المكتب السياسي لجيش الإسلام، طالبين منه ومن تشكيله العون في القضية، والاستجابة لمبادرة التحكيم. الرجل أقر بالمسؤولية السياسية لتشكيله بالنظر إلى كونه سلطة الأمر الواقع في دوما، ووعد بالرد القريب، لكنه أخلف الوعد.
وفي العام نفسه طلبنا مساعدة المجلس الإسلامي السوري في إسطنبول، وهو مكون من مشايخ سوريين يعيشون في المنفى، برئاسة الشيخ أسامة الرفاعي (المفتي العام في سوريا اليوم)، ولم يرد الجماعة كذلك. فكان أن قصدنا مقرهم حيث مكتب الشيخ الرئيس للإلحاح في طلب العون، فوعدنا مدير مكتبه بالاتصال القريب من طرفهم. وأخلف الجماعة الوعد بدورهم. وكاتبنا الائتلاف، فلم نتلق رداً لوقت طويل، وفي النهاية قدمت لنا نصيحة مبتكرة: تواصلوا مع جيش الإسلام!
هذه للقول إن لدينا قضية كبيرة، مستمرة، معلومة التفاصيل، طرقنا كل الأبواب طلباً للمساعدة فيها دون جدوى. هذه القضية جزء من ملف المفقودين الضخم، الذي تأسست هيئة خاصة لمتابعته قبل 11 شهراً. تحقيق العدالة بشأنها ومعرفة الحقيقة ليس بالأمر الصعب في شأن هذه القضية بالنظر إلى ما تقدم من معلومات.
هل قتل جيش الإسلام سميرة ورزان ووائل وناظم؟ متى؟ وأين أجسادهم القتيلة؟ إن كانوا قد استشهدوا، فمن حقنا أن نحصل على جثامينهم من أجل الدفن اللائق ولنحد عليهم ونزور قبورهم.
في غيابهم وغياب الحقيقة عنهم، نعمل على حراسة ذكراهم.
في أواخر الشهر الأول من عام 2025، أي بعد أقل من شهرين من سقوط النظام، بادرنا، مجموعة من أصدقاء الأربعة إلى تعليق لوحة على باب البناء الذي كان فيه مركز توثيق الانتهاكات الذي اختطفوا منه في دوما. اللوحة تقول: في هذا المبنى كانت تقيم رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي حتى اختطافهم مساء يوم 9/12/2013. وهي لا تتضمن اتهاماً ولا مطالبة من أي نوع. فقط تبتغي التذكير بمغيبتين ومغيبين منذ أكثر من 11 عاماً وقتها، وهذا بعد أسابيع من بداية جديدة في البلد. في 17 أيار 2025 قصدت مع أصدقاء دوما من جديد، وكانت اللوحة قد اقتلعت. وفي أوائل شباط الماضي علق الصديق عساف العساف، صديق المغيبين الأربعة، لوحة جديدة بالمضمون نفسه. وفي أواخر آذار كانت معالم اللوحة قد طمست وصارت غير مقروءة. وحالت الظروف مؤخراً بيني وبين زيارة جديدة، كان من أهدافها حراسة الذكرى والذاكرة.
ظاهر أن في محاولة محو ذكرى الأربعة استمرارا لتغييبهم، بعد قتلهم المحتمل. كأنما لإنكار أنهم وجدوا يوماً. لكنهم وجدوا، يشهد عليهم هذا الدأب على محو ذكراهم. نحن نعرف أن القتلة لا يطيقون الذكريات، ولكننا أكثر منهم لا نطيق النسيان.
٭ كاتب سوري
- القدس العربي


























