شكّل مصطلح “البرجوازية” في الخطاب السياسي السوري، منذ مرحلة الاستقلال، أداةً للتوصيف الأيديولوجي السياسي أكثر منه مفهومًا سوسيولوجيًا تحليليًا يُستخدم لفهم البنية الاجتماعية للمجتمع السوري.
فقد جرى توظيفه في كثير من الأحيان بوصفه حكمًا سياسيًا معياريًا ذا دلالة سلبية في سياق الصراع السياسي والأيديولوجي السوري، بدل استخدامه كمفهوم سوسيولوجي إجرائي يحدد موقع طبقة اجتماعية ودورها التاريخي. ونتيجة لذلك، أُفرغ المصطلح من مضمونه العلمي، وأُعيد إنتاجه ضمن خطاب سياسي يحمل شحنة قيمية أقرب إلى الإدانة الأخلاقية السياسية منه إلى التحليل السوسيولوجي.
يمكن تفسير هذا الخطاب في ضوء تلاقي سرديتين أيديولوجيتين رئيسيتين، تبدوان متعارضتين من حيث المنطلقات النظرية، لكنهما تلتقيان وظيفيًا في مخرجاتهما. فمن جهة، قدّم الخطاب القومي البعثي البرجوازية السورية بوصفها طبقة رجعية، أو امتدادًا للإقطاع، أو أداةً عميلة للاستعمار، بما يبرر إقصاءها ضمن مشروعه السياسي. أما الخطاب الأممي الشيوعي، فقد أعاد إنتاج هذا العداء بلغة أكثر ثورية من البعث، لكنه فشل في تقديم بديل تحرري حقيقي. فبدل التحليل البنيوي لعلاقات الإنتاج، انزلق إلى خطاب انتقامي يختزل البرجوازية في صورة العدو الاقتصادي- السياسي و الثقافي، وهكذا، التقت الشعبوية اليسارية مع السلطوية العسكرية البعثية في هدف واحد: إقصاء النخب السياسية البرجوازية المدنية من المشهد السياسي السوري العام.
تاريخيًا، شكّلت هذه البرجوازية القاعدة الاجتماعية للمهن الحديثة: الأطباء، المهندسون، المحامون، الأكاديميون، الصناعيون، والتجار المنتجون.
لقد أدّت هذه الشيطنة السياسية للبرجوازية السورية إلى إقصاء النخب السياسية المدنية المدينية من المجال السياسي العام السوري، وإلى تفكيك القاعدة الاجتماعية الاقتصادية التي يمكن أن تقوم عليها الدولة الحديثة القائمة على القانون ومنظمات المجتمع المدني. وهكذا، لم يكن استهداف
البرجوازية السورية مجرد استهداف أيديولوجي، بل كان أداة لإعادة تشكيل المجتمع السوري والدولة على أسس معادية للتمدّن السياسي والثقافي.
من الناحية المفاهيمية، يتطلب إعادة الظر في مفهوم البرجوازية بعيدًا عن التشويه الأيديولوجي. فهي ليست مجرد طبقة الأغنياء، ولا شبكة مصالح طفيلية لفئات اجتماعية مرتبطة بالسلطة الحاكمة، ولا فئات اجتماعية مغلقة، فالبرجوازية هي موقع اقتصادي سياسي مدني مكتسب، تشكل عبر تراكم طويل من التعليم، والعمل المنتج، والانخراط في المجال العام. وهي تتموضع عادة ضمن الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، حيث يرتبط صعودها بالكفاءة والمعرفة، لا بالولاء السياسي أو الانتماء العصبي. إنها فئة تتبنى أنماط التنظيم الحديثة، وتنفتح على التجارب العالمية، وتؤمن بدور الدولة بوصفها إطارًا قانونيًا ناظمًا للحياة العامة.
تاريخيًا، شكّلت هذه البرجوازية القاعدة الاجتماعية للمهن الحديثة: الأطباء، المهندسون، المحامون، الأكاديميون، الصناعيون، والتجار المنتجون. ومن خلالها نشأت البدايات الأولى للدولة المدنية في سورية، بما في ذلك المؤسسات المهنية، والأحزاب السياسية، والأفكار الدستورية.
أيضًا هذه الطبقة – البرجوازية – كانت الحاضنة الطبيعية للفضاء الوطني السوري العام في مرحلة ما بين 1946 – 1956، حيث تشكلت النقاشات الاقتصادية السياسية والثقافية، غير أن هذا الدور تعرض للتفكيك بفعل الاستبداد البعثي، الذي استبدل البنية الاقتصادية السياسية المدنية بتحالفات قائمة على العسكرة أو التعبئة الأيديولوجية والولائية ، مما أدى إلى إضعاف شروط نشوء دولة مدنية حديثة.
هذا السلوك السياسي جعلها عرضة للاحتواء والتفكيك، وأفقد قدرتها على لعب دور تاريخي فاعل مستقل. لذلك، فإن إعادة الاعتبار لهذه الطبقة لا تعني تبرئتها، بل مساءلتها أخلاقيًا وسياسيًا، ودفعها إلى إعادة تعريف دورها في المجال السياسي السوري العام.
لا تكمن أهمية البرجوازية الوطنية في بعدها الاقتصادي فقط، بل في دورها الثقافي بوصفها حاملًا لقيم الحداثة السياسية. فهي الفئة الأكثر قابلية لتبني التعددية السياسية والثقافية، وفصل السلطات، وسيادة القانون، والعمل المؤسسي. بهذا المعنى، تسهم هذه الطبقة في إنتاج ما يمكن تسميته
“الدولة المدنية”، أي تلك الشرعية التي تقوم على القبول الاجتماعي والمؤسسات القانونية ، لا على القسر والعنف. وهي البيئة التي تنمو فيها مفاهيم الدولة الدستورية والمواطنة.
لكن هذا الدور لم يتحقق دائمًا، إذ لم تكن هذه الطبقة بمنأى عن التردد أو الانكفاء في لحظات تاريخية حاسمة. حيث لا يمكن تحميل المسؤولية كاملة لسلطة البعث وحلفائها. فقد أسهمت البرجوازية السورية نفسها، في كثير من الأحيان، في إضعاف دورها السياسي التاريخي إذ فضّلت أحيانًا السلامة الاقتصادية على الموقف السياسي الفاعل، والتكيف مع السلطة الحاكمة بدل مواجهتها، أو الانكفاء بدل خوض معركة سياسية طويلة من أجل دولة القانون.
هذا السلوك السياسي جعلها عرضة للاحتواء والتفكيك، وأفقد قدرتها على لعب دور تاريخي فاعل مستقل. لذلك، فإن إعادة الاعتبار لهذه الطبقة لا تعني تبرئتها، بل مساءلتها أخلاقيًا وسياسيًا، ودفعها إلى إعادة تعريف دورها في المجال السياسي السوري العام.
من الضروري التمييز بين البرجوازية الوطنية المنتجة، والبرجوازية الطفيلية المرتبطة بالفساد والريع. فالأخيرة لا تنتج قيمة اقتصادية أو اجتماعية حقيقية، بل تعيش على مخرجات التحالف مع أي سلطة حاكمة بعثية كانت أم غير ذلك، وتمنحها شرعية سياسية مقابل الامتيازات الاقتصادية التي تحصل عليها.
الخلط بين هذين النموذجين يُعد من أخطر أشكال التضليل في الخطاب السوري، لأنه يبرر شيطنة الفئة المنتجة من هذه الطبقة البرجوازية، ويُخفي في الوقت نفسه الفئات الطفيلية المستفيدة من الاستبداد.
- تلفزيون سوريا



























