يصادف اليوم الذكرى الستين للتوقيع على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من شهر ديسمبر من العام 1948م.
وتأتي الذكرى ولدى اليمن رصيد من الإنجازات والمكاسب الحقوقية التي بوسعها أن تفاخر به بين الأمم.
ولقد كان أن تزامن وارتبط التدشين التاريخي لعهد بناء مجتمع الحقوق والحريات اليمني بموعد إعادة تحقيق الوحدة وإقامة نظامها الديمقراطي التعددي.
وعبر بوابة الحريات السياسية والصحفية توالى ورود باقي التجسيدات الواقعية بشقيها الشعبي والرسمي بقيام الآلاف من منظمات المجتمع المدني المشتغلة منها بشكل مباشر وكامل بقضايا الدفاع عن الحريات والحقوق الإنسانية والمعنية في أغلبها بها من الزاوية النوعية لأدوارها المهنية والفئوية.
وكان أيضاً من الموقف الرسمي أن أضاف إلى ذلك المزيد من الضمانات تشريعية وتنفيذية بتطوير القوانين واستكمالها وتحديث القضاء وإنشاء وزارة لحقوق الإنسان تلازم مع تشكيل لجان وطنية مختصة إلى جانب إعادة تأهيل السلطات التنفيذية للقوانين بقواعدها والالتزام بأحكامها في أداء واجباتها والأجهزة الأمنية في مقدمتها.
ولقد غطى الموقف اليمني من الحريات والحقوق النطاق العالمي للالتزام بإتاحتها وحمايتها وذلك بالتوقيع والتصديق على القوانين والمعاهدات والانضمام للقائم من مؤسساتها.
وما حدث على هذا المستوى الدولي لم يرد في الحسبان من ردود الأفعال التي يكاد يتحول معها الأمر من امتياز يحسب لليمن وتشكر عليه إلى فرصة للاستغلال والتوظيف الابتزازي ضدها.
ومما تكشفه بل تؤكده هذه الردود أن قضية الحقوق والحريات ظلت طوال العقود الماضية ولا تزال موضوعاً للاستخدام السياسي من القوى الكبرى.
كما تجلى بأشد ما يكون الوضوح في زمن الحرب الباردة حيث ظل أحد الأسلحة المستخدمة ضد المعسكر الاشتراكي والعمل على إسقاطه.
وما حصل بعد ذلك أن التراجع في أوضاع حقوق الإنسان كان الناتج الأكبر والأسوأ للمتغير التاريخي الذي ارتبط بانتقال المجتمع الدولي إلى نظام القطبية الوحيدة في حين استبشر العالم بحلول نظام عالمي أكثر إيجابية وعدلاً.
وما لمسناه أن التدافع على عالمنا في ظل القطبية الوحيدة رسم ونفذ في إطار العولمة التي صيغت مفاهيمها وخطوطها العملية وغاياتها النهائية في النطاق التعميمي لقيم وتوجهات من يملك قوة البناء والتفوق الاقتصادي والتكنولوجي.
ومورست اقتصادياً عملية ضم إلى امبراطورية التجارة الحرة وإخضاع قسري لأنظمتها وأحكامها وإسقاط تعبيراتها ومسوغاتها الوطنية من الاعتبار.
وسياسياً تبلورت العناية المدعاة بالإصلاح الديمقراطي في مناطقنا في نهج مشدود إلى رؤى وخيارات الدول الكبرى صاحبة المشروع الإصلاحي الذي تقدمت به قبل أعوام قليلة.
وليت الأمر اقتصر على مطالبتها بل فرضها ما لا تعمل به ولا تقبل به في أنظمتها بل هي التي أدخلت قضايا الحريات والحقوق الإنسانية في دائرة الاستغلال السياسي والاستخدام الابتزازي للدول المستهدفة.
وقد طال الاستهداف حرية العقائد التي ينص عليها ويوليها رعايته الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوضع شن حملات الإساءة والتشويه للدين الإسلامي والتحريض ضد أتباعه ضمن آليات وأسلحة مكافحة الإرهاب.
ونرى في المقابل ذلك السكوت ومحاولات التغطية على تلك الانتهاكات التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً والتي تقع في معتقل جوانتانامو وسجون العراق.
ولا ندري بأي وجه يمكن للبعض بعد ذلك تبرير استمراره بالمزايدة على الآخرين بمسألة حقوق الإنسان.
وفي ظل ما هو حاصل من فرز للمجتمع الدولي إلى مكون من حقه طرح وفرض مشاريعه للإصلاحات التي تشمل الشأنين الثقافي والاجتماعي ومكونات عليها واجب السمع والطاعة فإن الاختلال في التعامل بمعايير حقوق الإنسان هو ما ينجم عنه ويعم.
ويكون العقاب في انتظار من يطالب من دولنا بمنح ما يتقدم به من رؤى ومبادرات لإصلاح النظام الدولي ما تستحقه من اعتبار.
وفي عالم تحفر فيه العصا الغليظة وتغيب معايير المساواة يسود الانتهاك فلا تزهر الحقوق ولا يكون الإنسان حرار ويظل العاشر من ديسمبر مجرد ذكرى.




















