عبدالله اسكندر
تفسيرات سياسية كثيرة أعطيت لزيارة العماد ميشال عون «الرئاسية» و «التاريخية» لسورية، ولنوعية «الحفاوة» الرسمية والشعبية التي رافقتها.
ذهب بعض خصوم زعيم «التيار الوطني الحرّ» الى ان الزيارة تأتي في اطار الاعداد للاستحقاق الانتخابي وتوسيع التمثيل النيابي لعون في المجلس النيابي المقبل لمصلحة التحالف اللبناني المؤيد لسورية. واستنتج خصوم آخرون ان الحفاوة المبالغ فيها تستهدف اساسا رئيس الجمهورية الذي يحاول ان يكون على مسافة واحدة من اطراف الصراع اللبناني، ومنع نشوء كتلة نيابية مستقلة توازن بين الخصوم وتدعم مسعى الرئاسة الى اعادة وضع العلاقات اللبنانية – السورية في اطار الدولة، في ظل التجاذب في شأن التمثيل الديبلوماسي وتبادل السفراء وترسيم الحدود الجغرافية والسياسية، وفي الاستحقاقات المقبلة خصوصا المحكمة الدولية لمقاضاة المشتبه بتورطهم بالاغتيالات السياسية في لبنان، والتي من المفترض ان تبدأ عشية الانتخابات البرلمانية.
وفيما سعى الحلفاء اللبنانيون لعون الى اعطاء الزيارة طابع الخيار السياسي الممانع والمقاوم والانفتاح والتصالح مع خصم سابق، شدد انصار الجنرال على طابع الزعامة المسيحية للرجل، في لبنان اولا وفي المشرق ثانيا، بدليل البرنامج الديني للزيارة والاستقبال الشعبي المسيحي خلاله.
كل التفسيرات السياسية، على أهميتها وخطورتها، وكل ما ينتج عن الزيارة من سعي الى التأثير في المعادلة الداخلية في الفترة المقبلة، على أهميته وخطورته، كل ذلك يظل في اطار تجاذب القوى في معادلة العلاقات اللبنانية – السورية. وكان يمكن لدمشق ان تجد شخصية أخرى للقيام بالدور الحالي لعون. وهي فعلت ذلك في منتصف سبعينات القرن الماضي عندما أعطت الأولوية لتحالفها مع «الجبهة اللبنانية» التي كانت تضم الزعامات المسيحية المناهضة للتحالف الفلسطيني – الجنبلاطي. كما ان لها علاقات حالية مع مسيحيين من اصحاب الزعامة القديمة. أي ان الزيارة لا تُختصر في مجرد اختراق سوري لجبهة خصومها في لبنان، وحصولها على تأييد قوة جديدة. فهذا تحصيل حاصل، في ظل المواقف التي اتخذها عون وكتلته النيابية في الازمات المتعاقبة منذ انتخابات 2005. وقد لا يستأهل هذا الهدف كل هذه «الحفاوة الرئاسية».
لعل اهمية الزيارة تكمن في ما أقنع عون به لجهة الزعامة المسيحية اللبنانية والمشرقية، والدفع في اتجاه دور المسيحيين في لبنان والمنطقة المشرقية.
لقد قيل ان الزيارة تعبّر عن انفتاح مسيحي على العرب (في تناقض مع الانعزالية التي وُصف بها المسيحيون المناهضون للسياسة السورية). لكنها المرة الاولى في تاريخ لبنان الحديث التي تعلن فيها زعامة مسيحية، باسم الانفتاح، الانحياز الى محور معين، هو هنا المحور السوري – الايراني. وذلك في قطع مع التقليد السياسي الذي كان يسعى الى النأي عن تجاذب القوى العربية – العربية، إن لم يكن منحازا الى الرياض والقاهرة.
اما اللقاء المسيحي اللبناني – السوري، اي محاولة ايجاد ارتباط سياسي بين مسيحيي لبنان ومسيحيي سورية، فإنه يندرج في اطار اعادة النظر في دور المسيحيين في لبنان. وفي الحال العونية دفعهم الى ان يكونوا مثل اخوانهم السوريين بالنسبة الى النظام في دمشق. علما ان هذا النظام يرفض في تطبيقاته الحصص الطائفية، ولا يعتمد الا الولاء المطلق لسياسته وتوجهاته من اجل الفوز بحصة فيه.
اما في لبنان حيث الحصص الطائفية وتوزيع المناصب مكرسة دستوريا، فسيكون أي سعي الى تغيير دور المسيحيين فيه، سعيا الى اخلال بالتوازنات. ولعل جملة واحدة قالها عون في سورية، من كل المحاضرات والخطب والمقابلات الكثيرة التي ادلى بها، تلخص المعنى الجديد المقصود بهذا التغيير. انها تلك المتعلقة باتفاق الطائف، خصوصا لجهة صلاحيات مجلس الوزراء حيث الحصة الدستورية السُنية. وفي ظل الانقسام الحالي في لبنان ونوعية الاستقطاب، يصبح استهداف موقع السُنة، بما هم لبنانيون وبما لهم من عمق عربي لا يتطابق حاليا مع المحور السوري – الايراني، مطلبا مسيحيا في المسعى العوني.




















