انسحب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من اتّفاق فيينا النوويّ عام 2018. قال إنّه أسوأ اتّفاق في التاريخ، وبالإمعان في الحديث عن التاريخ، فرض على إيران عقوبات قال إنّها تاريخيّة لم تُفرض على بلد قبل ذلك. انتظرت إيران انتهاء ولايته واستبشرت خيراً بعودة ديمقراطيّ يشبه باراك أوباما. جاء جو بايدن رئيساً، كان يتقلّد منصب نائب أوباما حين أبرم الاتّفاق “الشهير”. وعد بايدن أثناء حملته الانتخابيّة بالعودة إلى الاتّفاق الذي انسحب منه سلفه. وعد.. لكنّه لم يعُد.
هناك مشكلة بين دولة واشنطن العميقة واتّفاق أوباما. التزمت طهران بنود الاتّفاق. لم تخصّب اليورانيوم بنسبة أعلى من المسموح (3.67 في المئة)، وأتاحت للمراقبين التابعين للوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة ما أرادوا من زيارات. كان أوباما أفرج عن أرصدة وخفّف الكثير من العقوبات. لم ترضَ إيران بنقاش برنامجها الصاروخيّ وعلاقتها مع “محور المقاومة”، فارتأى أوباما تحقيق ما يمكن أن يتحقّق، ونشر “عقيدته” في “الأتلنتيك” محاضراً بدول الخليج: “اذهبوا وتشاركوا النفوذ مع إيران”.
تعاظم برنامج إيران للصواريخ البالستيّة. حتّى إنّ مدن إسرائيل ودول الخليج والأردن والعراق وحتّى أجواء قبرص وتركيا وأذربيجان باتت أهدافاً روتينيّة لتلك الصواريخ. قبل الحدث بسنوات تضخّم شأن إيران وسطوة أذرعها. قتلت رفيق الحريري وصحبه في لبنان، ارتكبت “7 أيّار”، وأعلنت لاحقاً نصرها الميمون: خرج صوت شبه رسميّ من على منبر في طهران يعلن أنّ “إيران سيطرت على 4 عواصم عربيّة” وأعلنت بغداد عاصمة للإمبراطوريّة. لا نتكلّم عن تاريخ غابر. حدث ذلك قبل بضعة أعوام. كان ذلك عشيّة “طوفان” غزّة الشهير.
تعرف طهران أنّ الرياض تقف، وراء وقف ترامب لحملته العسكريّة (مشروع الحرّية) لفتح المضيق بالقوّة، وتعرف أنّها وتركيا ومصر وباكستان دفعوا باتّجاه حلّ دبلوماسيّ يضع حدّاً لحرب تريدها إسرائيل شاملةً ضروساً
إيران استسلمت؟
بعد حرب تاريخيّة مدمّرة ضدّ إيران قلّ أن شهدنا مثيلاً لها منذ الحرب العالميّة الثانية، يقترب ترامب من إعلان نصر ما فتئ يكرّر كلّ يوم أنّه حقّقه. يبشّر الأميركيّين بأنّه يفي بما وعد. لن تمتلك إيران سلاحاً نوويّاً. يروّج لتقدّم إيجابيّ يطال التخصيب الذي سيُعلَّق (أي يُصفّر) لسنوات والمخزون العالي التخصيب الذي سيُنقل إلى الخارج. يقول “سنأخذه”. تشيع “أكسيوس” أنّ الولايات المتّحدة وجهته، فيما توحي برودة طهران وضبابيّة روايتها أنّه قد يكون مستحيلاً أن تقفز طهران من تأكيد يقينيّ أنّها لن تسمح بالمسّ بمخزونها إلى “تسليمه” صاغرةً للأميركيّين.
الأرجح، وبدون الغرق في ما سيكتبه مؤلّفو السيناريوات في واشنطن وطهران عن رواية النصر المبين، أنّ إيران استسلمت لفكرة استحالة دخول النادي النوويّ. الظروف التاريخيّة التي سمحت بظهور “القنابل”، حتّى تلك الهنديّة والباكستانيّة والإسرائيليّة، غير متوافرة. ثمّ إنّ العالم يقتنع يوماً بعد آخر بعدم السماح بذلك وأنّ الرادع الأميركيّ الإسرائيليّ يحظى برعاية روسيّة صينيّة لا تخطئها عين. ربّما مَن بقي من صنّاع القرار في طهران ارتضوا إقفال الملفّ ما دام رجل واشنطن القويّ سها عن ملفّات أخرى ساخنة.
كانت أوروبا، على لسان فرنسا وبريطانيا وألمانيا بصفتها دولاً أعضاء في اتّفاق فيينا (إلى جانب روسيا والصين والولايات المتّحدة)، حثّت واشنطن على إدراج برنامج إيران للصواريخ البالستيّة على طاولة المفاوضات. اعتبرت أنّ صواريخ إيران، بحكم الجغرافيا، تمثّل خطراً على أوروبا، وأنّ تلك الصواريخ كما المسيّرات الإيرانيّة استهدفت فعلاً أوروبا لمصلحة روسيا في حربها ضدّ أوكرانيا. لم يُدرَج هذا الملفّ في عهد جو بايدن، ولم يُدرَج، للمفارقة، في المفاوضات التي جرت على مدى كلّ جلسات ما قبل الحرب وأثناءها في عهد ترامب الحاليّ. أسقط ترامب هذا الملفّ، أو ربّما رحّله إلى وقت لاحق لحساب إنجاز نوويّ يحمله إلى جمهوره في أميركا.
كان وزير الخارجيّة ماركو روبيو، عند بدء الحرب الراهنة، أوّل مسؤول رسميّ يعلن أنّ منطق إبرام اتّفاق نوويّ يشمل حكماً ملفّ الصواريخ وملفّ سياسة إيران المزعزعة للاستقرار، أي علاقة طهران بـ “الأذرع”. قبل ذلك لم يتجاوز الأمر حدود التسريبات الصحافيّة والجدل العامّ. أسقط ترامب الملفّين. لا كلمة توحي بغير ذلك، ولا منطق، على الأقلّ بحكم ما فعلته تلك الصواريخ بالقواعد العسكريّة الأميركيّة في المنطقة، يوحي بأنّ واشنطن ستهمل ملفّاً يمكّن دولة الوليّ الفقيه من التحكّم بأمن المنطقة وممرّاتها المائيّة.
الأرجح أنّ الزمن تغيّر، وأنّ زمن أوباما ولّى ولن تسمح المنطقة بصفقة تُبرم مع إيران من وراء ظهرها
نهاية الأذرع؟
غير أنّ منطقاً أكثر نضجاً يدعونا إلى التفكير في مسألة “الأذرع” من خارج الصندوق. ليس من مصلحة دول المنطقة أن تستمرّ باعتياد أن يكون مفتاح شؤون دولنا بيد طهران التي تُحرِّك الفصائل لتخريب المنطقة لمصلحتها وتقررّ وقف ذلك التخريب بقرار منها وفق اتّفاق تقبض أثماناً مقابله، ولا شيء يضمن عدم إسقاطه وإعادة تلك الأورام داخل بلدان المنطقة.
الظاهر أنّ تلك “الأذرع” تسقط واحدة تلو أخرى من غير أيّ اتّفاق مع رأس الأخطبوط. انتهت ورقة غزّة في فلسطين. سقطت ورقة سوريا “إلى الأبد”. حُيّدت ورقة الحوثيّين على النحو الذي أخرج “الجماعة” من فعل تهديد البحر الأحمر ومضيق باب المندب. فرضت واشنطن في العراق إزاحة مرشّح الأذرع نوري المالكي عن منصب رئاسة الحكومة. لم يعُد لبنان الرسميّ، حكومة ورئيساً وأداء دولاتيّاً، ورقة بيد طهران، وبات ملفّ البلد منفصلاً عن ملفّ الحرب في إيران، فيما ذراعه تعيش نكبة تنذر بنهاية الحكاية.
الأرجح أنّ الزمن تغيّر، وأنّ زمن أوباما ولّى ولن تسمح المنطقة بصفقة تُبرم مع إيران من وراء ظهرها. تعرف طهران أنّ الرياض تقف، وفق مصادر أميركيّة، وراء وقف ترامب لحملته العسكريّة (مشروع الحرّية) لفتح المضيق بالقوّة، وتعرف أنّها وتركيا ومصر وباكستان دفعوا باتّجاه حلّ دبلوماسيّ يضع حدّاً لحرب تريدها إسرائيل شاملةً ضروساً. تعرف واشنطن أنّ المنطقة التي دفعت أثمان حرب لم تكن لها ضلع في قرارها تريد اتّفاقاً ذا
ضمانات شاملة عابرة توفّر استقراراً نهائيّاً يقفل كلّ الملفّات. غير أنّ عقيدة ترامب تشي بأنّ الأولويّة تكمن في قتل “القنبلة” وخنقٍ مرحّلٍ للصواريخ فيما الأذرع باتت تترنّح آيلة إلى سقوط.
- أساس ميديا


























